- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
الحمد لله الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، ومصرف الأيام والشهور، ومقلب الليل والنهار، جعل تعاقب الفصول آيات لعباده، وعبرا لأولي الألباب، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الوهاب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، خير من وعظ وذكر، وأرشد وبشر وأنذر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: إن الله تعالى جعل في هذا الكون آيات ناطقة، ومواعظ صامتة، تخاطب القلوب المؤمنة، وتوقظ النفوس الغافلة، ومن أعظم تلك الآيات تعاقب الفصول، واختلاف أحوال الطبيعة بين ربيع مزهر، وصيف حار، وخريف تتساقط فيه الأوراق، وشتاء تنكمش فيه الحياة. وإن المتأمل في فصل الخريف خاصة يجد فيه من العبر ما يرقق القلب، ويوقظ الضمير، ويذكر الإنسان بحقيقة عمره ورحلته في هذه الدنيا.
فالخريف من أعظم الفصول التي تحمل رسائل إيمانية بليغة؛ ذلك الفصل الذي تبدأ فيه الطبيعة بتغيير ثوبها، وتتحول فيه الأوراق الخضراء إلى أوراق صفراء، ثم لا تلبث أن تتساقط واحدة بعد أخرى، حتى تقف الأشجار عارية من زينتها بعد أن كانت تتباهى بجمالها ونضارتها.
والمؤمن لا ينظر إلى هذه المشاهد بعين التسلية فحسب، بل ينظر إليها بعين الاعتبار والاتعاظ؛ لأن الله تعالى أثنى على المتفكرين في آياته فقال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 190، 191]
فما أشبه الشجرة بالإنسان؛ تبدأ صغيرة ضعيفة، ثم تنمو وتشتد، ثم تبلغ أوج قوتها وجمالها، ثم تبدأ رحلة الذبول شيئا فشيئا حتى تتساقط أوراقها. وكذلك الإنسان يولد طفلا، ثم شابا قويا، ثم كهلا، ثم شيخا كبيرا، ثم يرحل عن هذه الدنيا. قال الله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54].
وحين يرى المؤمن أوراق الأشجار تتساقط في الخريف، يتذكر أن أيام عمره هي الأخرى تتساقط من رصيده يوما بعد يوم، وأن كل يوم يمضي يقربه من قبره وآخرته. قال الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك".
ولذلك كان السلف الصالح ينظرون إلى تغير أحوال الكون بعين الاعتبار لا بعين الغفلة. وكانوا يرون في مرور الأيام رسالة من الله تدعوهم إلى التوبة والاستعداد للقاء الله. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
فالزمان ليس هو الذي يفني الأعمار، وإنما هي سنن الله التي جعلها في عباده، ليعلموا أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن الآخرة هي دار القرار.
أيها المسلمون: إن من أعظم الدروس التي يبعثها الخريف إلى القلوب تذكيرها بسرعة انقضاء الدنيا، فإن الأوراق التي كانت بالأمس خضراء يانعة تسر الناظرين، لا تلبث أن تصفر ثم تذبل ثم تسقط، وكذلك الدنيا؛ تروق لصاحبها بزخرفها وزينتها، ثم لا يلبث أن يفارقها أو تفارقه. قال تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [الحديد: 20].
فتأملوا كيف ضرب الله مثلا للحياة بالنبات الذي يبدأ أخضر نضيرا ثم يصير أصفر يابسا ثم حطاما. إنها صورة تتكرر أمام أعيننا في كل عام، ولكن كثيرا من الناس يمرون عليها دون تفكر أو اعتبار.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على قصر الأمل والزهد في الدنيا، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.
أيها المؤمنون: إن سقوط الأوراق في الخريف ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو رسالة صامتة تذكر الإنسان بحقيقة عمره، فكما تتساقط الأوراق من الشجرة يوما بعد يوم، فإن أيام العمر تتساقط من حياة الإنسان ساعة بعد ساعة، ولحظة بعد لحظة.
فكم مضى من أعمارنا؟ وكم بقي منها؟ وكم ودعنا من أعوام وشهور؟ وكم استقبلنا من فصول ثم رحلت ولم تعد؟!
كان الحسن البصري رحمه الله يقول: "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة".
وصدق رحمه الله؛ فإن الأيام لا ترجع، والساعات لا تعود، والعمر رأس مال الإنسان الحقيقي، فإذا ضاع العمر ضاع كل شيء.
ولهذا كان السلف رحمهم الله أشد الناس حرصا على أوقاتهم، لأنهم يعلمون أن كل يوم يمضي يقربهم من قبورهم ويباعدهم عن دنياهم.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي".
فيا من يرى أوراق الأشجار تتساقط أمام عينيه، تذكر أن أوراق العمر تتساقط كذلك، وأن كل نفس تتنفسه يقربك من نهاية الرحلة.
وقد أحسن الشاعر إذ قال:
دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثان
وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يستحضره المسلم في كل خريف؛ فكم من إنسان شهد خريف العام الماضي وهو اليوم تحت أطباق الثرى! وكم من رجل كان يخطط ويؤمل ويجمع ويعد، ثم عاجله الموت قبل أن يدرك شيئا من أمانيه!
قال الشاعر:
وما الناس إلا هالك وابن هالك *** وذو نسب في الهالكين عريق
فيا من طال أمله، ويا من شغلته الدنيا بزخارفها، تذكر أن الخريف لا يأتي على الأشجار وحدها، بل يأتي على الأعمار أيضا، وأن لكل إنسان خريفا خاصا به يسبقه الرحيل إلى الدار الآخرة.
معاشر المؤمنين: ومن أعظم ما يذكرنا به الخريف حقيقة الموت التي لا مهرب منها، فكما تتساقط الأوراق من أغصانها واحدة بعد أخرى، فإن الناس يغادرون الدنيا جيلا بعد جيل، حتى يأتي الدور على من بقي. قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185].
وقال سبحانه: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78].
عن هانئ مولى عثمان، قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه). قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه) رواه أحمد.
إن الخريف يعلمنا أن النهاية حتمية، وأن القوة والجمال والشباب لا تدوم، وأن السعيد من اغتنم صحته قبل مرضه، وشبابه قبل هرمه، وحياته قبل موته.
ولذلك كان السلف يكثرون من ذكر الموت؛ لأنه يقطع التعلق بالدنيا ويبعث على العمل للآخرة. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا".
ومن جميل ما قيل:
تزود من التقوى فإنك لا تدري *** إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
فاتقوا الله عباد الله: واستعدوا للقاء الله بالأعمال الصالحة، وأكثروا من التوبة والاستغفار، فإن الأعمار قصيرة، والرحلة قريبة، والموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: اتقوا الله وراقبوه في السر والعلن، واعلموا أن من أعظم أسباب النجاة دوام محاسبة النفس والاستعداد للقاء الله.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: إن فصل الخريف بما يحمله من مشاهد الذبول وتساقط الأوراق يذكرنا بحقيقة هذه الحياة وسرعة انقضائها، ويذكرنا أن الدنيا مهما طالت قصيرة، ومهما عظمت حقيرة إذا قيست بالآخرة. وقد رأينا كيف جعل الله في تعاقب الفصول موعظة للمتفكرين، وكيف أن سقوط الأوراق يذكر بسقوط الأيام من أعمارنا، وأن اقتراب الشتاء يذكر باقتراب نهاية الرحلة لكل إنسان.
فطوبى لمن اتعظ بآيات الله الكونية، وجعل من مرور الأيام سلما إلى الطاعة، ومن تغير الأحوال باعثا على التوبة، ومن ذكر الموت دافعا إلى العمل الصالح.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

