الرحمة وأمن المجتمعات

0 0

الناظر في واقع الناس وأحوالهم يرى تزايد صور العنف، والقسوة، والجفاء، والتفكك الاجتماعي، مما يبرز الحاجة إلى استعادة قيمة عظيمة كادت تغيب عن كثير من الممارسات الإنسانية، وهي قيمة الرحمة. فالرحمة ليست مجرد عاطفة رقيقة أو شعور عابر، إنما هي منهاج حياة، وأساس من أسس البناء الاجتماعي الذي أراده الإسلام للمجتمعات المؤمنة.
وقد أعلن النبي فيما يخبر به عن ربه عز وجل إعلانا واضحا أن الرحمة مقدمة على الغضب، وأن الرفق مقدم على الشدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الـخلق: ‏إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش". (البخاري).
وجعل سبحانه التراحم بين الناس سببا للفوز برحمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". [الترمذي].
وإذا أردنا أن نضع عنوانا لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلن نجد أفضل من قول الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].

مجتمع الرحمة... مجتمع القوة والتماسك
حين تسود الرحمة بين أفراد المجتمع، تتغير طبيعة العلاقات الإنسانية؛ فبدلا من التنافس الأناني يظهر التعاون، وبدلا من القسوة يحضر اللين، وبدلا من التنازع تنمو مشاعر الألفة والمحبة.
إن الإنسان حين يشعر أن من حوله يقدرون ظروفه ويعاونونه، ويعذرونه لضعفه ويرحمونه، ويقفون إلى جانبه في أوقات الشدة، يزداد انتماؤه لمجتمعه، ويحرص على الإسهام في بنائه وحمايته. ومن هنا كانت الرحمة من أعظم أسباب استقرار المجتمعات وتماسكها.

الأمن ثمرة من ثمار الرحمة
من أعظم ما تحققه الرحمة في المجتمع نشر الأمن والطمأنينة بين أفراده. فالناس لا يشعرون بالأمان الحقيقي بكثرة الأنظمة والعقوبات وحدها، وإنما حين يوقنون أن حقوقهم محفوظة، وأن الضعيف لن يظلم، وأن الكبير سيوقر، وأن الصغير سيرحم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا". [أحمد].
وعندما تبنى العلاقات الاجتماعية على هذا المبدأ العظيم، ينمو الاحترام المتبادل، وتتراجع مشاعر الإقصاء والتهميش، ويشعر كل فرد بأنه جزء معتبر من نسيج المجتمع.

الرحمة تصنع التكافل
ولا يمكن أن يقوم التكافل الاجتماعي الحقيقي إلا على الرحمة. فالقوانين قد تلزم الإنسان ببعض الواجبات، لكن الرحمة تدفعه إلى ما هو أبعد من الواجب، فتجعله يبذل ويعطي ويواسي ويخفف آلام الآخرين.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع المؤمن بأبلغ وصف حين قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". [مسلم].
ومن هنا كانت الزكاة، والصدقات، والأوقاف، وكفالة الأيتام، وإغاثة الملهوفين، صورا عملية لترجمة الرحمة إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.

حين تغيب الرحمة يحضر العنف
ليس من المبالغة القول بإن كثيرا من صور العنف الأسري والاجتماعي تعود في جذورها إلى قسوة القلوب وجفاف منابع الرحمة.
فالرحمة تضبط الانفعالات، وتخفف حدة الغضب، وتدفع إلى الرفق في التعامل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". [مسلم].
وكلما اتسعت دائرة الرحمة في البيوت والمدارس ومواقع العمل ومؤسسات المجتمع، انخفضت معدلات النزاع والعدوان، وحلت ثقافة الإصلاح والتسامح محل ثقافة الانتقام والتشدد.

الأسرة... الميدان الأول للرحمة
وإذا كانت الرحمة ضرورة للمجتمع كله، فإنها أشد ضرورة داخل الأسرة، فهي الحاضنة الأولى التي تتشكل فيها النفوس وتبنى فيها الشخصيات.
وقد امتن الله تعالى على عباده بقوله: {وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21]، فالمودة تنشئ المحبة، والرحمة تحفظها عند الشدائد وتقلبات الحياة.
فالزوج الرحيم، والزوجة الرحيمة، والأب الحنون، والأم المشفقة، جميعهم يسهمون في صناعة جيل متوازن نفسيا وأخلاقيا، قادر على نشر الخير في مجتمعه.

من صفحات السلف
لقد أدرك سلف الأمة عظمة هذا الخلق وأثره في إصلاح الحياة، فعاشوا حياتهم يتراحمون ويواسي بعضهم بعضا. عن عمرو بن ثابت قال: (لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سوداء بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة).
وقال يحيى بن سعيد: (كان شعبة من أرق الناس، كان ربما مر به السائل، فيدخل إلى بيته فيعطيه ما أمكنه).
وهذا أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه من رحمته أنه كان له جفنة من ثريد غدوة، وجفنة عشية، للأرامل واليتامى والمساكين.
كما كان الصالحون يعدون الرحمة علامة على حياة القلب وصلاحه؛ لأن القلب القاسي لا يستطيع أن يبني مجتمعا متماسكا، ولا أن يحقق رسالة الإسلام في إصلاح الناس.

الرحمة... حاجة العالم اليوم
إن عالمنا المعاصر، على ما بلغ من تقدم مادي وتقني، ما زال يعاني أزمات إنسانية عميقة سببها غياب الرحمة عن كثير من الممارسات والعلاقات. فالحروب، والتفكك الأسري، والتنمر، والظلم الاجتماعي، كلها شواهد على حاجة البشرية إلى هذا الخلق العظيم.
وما أحوجنا إلى إعادة إحياء الرحمة في بيوتتنا، ومدارسنا، وأسواقنا، ومؤسساتنا، وأن نقدم للعالم صورة الإسلام الحقيقية التي قامت أساسا على الرحمة.
فالرحمة ليست خلقا ثانويا أو فضيلة اختيارية، بل هي روح الشريعة، وسر عمران المجتمعات، وسبيل استقرار الأمم. وبقدر ما تنتشر الرحمة بين الناس، يقترب المجتمع من صورته التي أرادها الله تعالى: مجتمعا متماسكا، متعاونا، تسوده الألفة، وتظلله السكينة، وتجمع أفراده معاني الأخوة والتكافل والمحبة. ومن هنا كانت الرحمة من أعظم أسباب استقرار المجتمعات وتماسكها، وشيوع الأمن فيها.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة