عُودوا إلى ربكم قبل الرحيل، وقبل أن يفوت الأوان

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}(النساء:131)، واعلموا أن التقوى هي الزاد ليوم عظيم وصفه وسماه الله بأسماء تهز القلوب وتزلزل النفوس: القيامة، الطامة، الصاخة، القارعة، الحاقة، الواقعة.. إنه يوم لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}(لقمان:33)، وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(الحج:2:1)، وقال تعالى: {فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس:37:34).
فإذا أيقنا بهذا اليوم وما فيه من مواقف وأحداث، علمنا أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما زينت فهي زائلة، وأنها دار ممر لا دار مقر، وأننا سنرحل منها إلى ما قدمنا من أعمال، خيرا كانت أو شرا، فتذكروا ـ رحمكم الله ـ حالكم حين تفارقون البيوت والأهل والأولاد والأصدقاء الذين كنتم تأنسون بهم ويأنسون بكم، وتذكروا ساعة الاحتضار، حين يجيء ملك الموت لقبض الأرواح، حين يقال للواحد منا: قل "لا إله إلا الله"، فهل تبادر وتجود بها بلسان طاهر وقلب سليم؟ أم تتلعثم ويثقل لسانك، وتتحسر على ما أمضيت من سيئات الأعمال؟!

عباد الله: تعالوا بنا ننتقل بقلوبنا إلى ما بعد الموت مباشرة، إلى اللحظة التي ينقطع فيها الإنسان عن الدنيا ويقبل على الآخرة، حيث تبدأ رحلة جديدة إلى عالم جديد ـ عالم البرزخ ـ، رحلة تظهر الفرق والبون الشاسع بين المؤمن والكافر، وبين الطائع والعاصي..
فالمؤمن كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حضرته ساعة الرحيل، نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان وحنوط من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ويأتي ملك الموت عند رأسه، فيناديه نداء يملأ قلبه طمأنينة وسرورا: يا أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روحه بسهولة ويسر، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها ملك الموت، ويجعلها في كفن من الجنة، ويصعد بها إلى السماء، فتفوح منها أطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقال: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى تصل إلى السماء السابعة، فيفتح لها ويكتب كتابه في عليين، ثم تعاد روحه إلى جسده، ويأتيه الملكان في قبره فيجلسانه، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له في قبره مد البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب! أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي..

أما الكافر ـ والعياذ بالله ـ فإذا حضرته ساعة الرحيل، نزلت إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح وهو نسيج غليظ شديد الخشونة من نار جهنم، فيجلسون منه مد البصر، ويأتي ملك الموت عند رأسه، فيناديه نداء يملأ قلبه رهبة وخوفا: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق روحه في جسده، وينتزع انتزاعا شديدا كما ينتزع السفود (سيخ حديد ممتلئ بالخطاطيف) من الصوف المبلول، فتخرج كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقال: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى تصل إلى السماء الدنيا فلا يفتح لها، ويكتب كتابه في سجين، ثم تعاد روحه إلى جسده، ويأتيه الملكان في قبره فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيضرب بمرزبة من حديد، ويفرش له من النار، ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، أنا عملك الخبيث، فيتمنى ألا تقوم الساعة..
هذا هو المصير الذي ينتظر كل إنسان بعد الموت، فريق يبشر بالجنة والرضوان، وفريق يبشر بالنار والهوان، قال تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}(إبراهيم:27)، وقد قال علماء التفسير أن في هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه ونعيمه..

أيها المسلمون: يا من تؤمنون وتوقنون باليوم الآخر، أين استعدادكم ليوم الرحيل؟ أين استعدادكم لنزول الموت؟ أين استعدادكم للقبور وما بعدها؟ إن الموت حق، والقبر حق، والبعث حق، والجزاء حق، وكل ذلك آت لا محالة، فهل أعددتم له عدته؟!!
وتأملوا ـ رحمكم الله ـ حالكم إذا حملتم على الأكتاف إلى القبور، وتركتم البيوت والأهل والأولاد والأموال، فإما خير تسرون به إلى يوم القيامة، وإما شر تجدون به الحسرة والندامة..
وقد روي أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ كان إذا دخل منزله وجلس يذكر الله يبكي، وفي يوم زاد بكاؤه حتى أبكى زوجته وأولاده، فلما سمعهم الجيران بكوا معهم، ولما سكن سألوه عن سبب بكائه، فقال: "تذكرت مقامي بين يدي الله، وانصراف الناس فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير، ولا أدري أنا إلى أين أسير"..
ـ فلا إله إلا الله ـ عمر بن عبد العزيز الذي عد لعدله وعبادته وتقواه من الخلفاء الراشدين، يبكي لأنه لا يدري، هل سيسير مع أهل الجنة، أم سيسير مع أهل النار، وهل ندري نحن إلى أين سنسير مع تقصيرنا وظلمنا لأنفسنا؟!!
فتذكروا ـ عباد الله ـ هادم اللذات ومفرق الجماعات، واعلموا أن القبور ستكون لكم مساكن كما سكنها من قبلكم، فهي أول منازل الآخرة، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار.
وتذكروا أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما زينت فهي زائلة، والمصير المحتوم هو لقاء الله جل وعلا، فاستعدوا لذلك اليوم العظيم قبل أن يفوت الأوان، فإن العمر قصير والرحيل قريب..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

اعلم يا عبد الله أن لحظة الرحيل آتية لا محالة، وستسأل عن عمرك وشبابك، فبادر بالتوبة قبل أن يقال لروحك: اخرجي، ولا تدري أإلى رضوان أم إلى غضب وسخط..

إن الشباب نعمة عظيمة، فمن استثمرها في طاعة الله سعد في الدنيا والآخرة، ومن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم، فلا تغتر بزينة الدنيا ولا ببريق الشهوات، فإنها سراب خادع ومتاع قليل، وعد إلى ربك قبل أن يفوت الأوان، ولا تنجرف وراء دعاة السوء وجلساء الفتن، فإنهم يصدون عن سبيل الله ويزينون الباطل ويقودون إلى الهلاك، وتذكر وعد النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ـ وذكر منهم ـ وشاب نشأ في عبادة الله) رواه البخاري، وضع نصب عينيك قوله صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم. ولكثرة الفتن والشهوات في واقع الناس اليوم، عليك بالإكثار من هذا الدعاء العظيم الذي علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم وكان يكثر منه: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) رواه الحاكم.

وختاما، عباد الله: الموت لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني ولا فقير، فهو آت لا محالة، يطرق الأبواب بلا إنذار، ويأخذ الأرواح بلا استئذان.. فيا أيها الشاب، ويا أيها الشيخ الكبير، عودوا إلى ربكم قبل أن يغلق سجل العمر، وقبل أن يقال: فلان قد رحل، فلا ينفعه مال ولا جاه ولا سلطان..
عودوا إلى ربكم بتوبة صادقة، قبل أن تباغتكم ساعة لا رجعة بعدها ولا مهلة فيها، واعلموا أن ربكم رحيم غفور، يفرح بتوبة عبده، ويبدل سيئاته حسنات، ويغفر الزلات والخطيئات..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة