- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
حديثنا اليوم عن موقف ومشهد عظيم ترتعد له القلوب وتذهل له العقول، مشهد في يوم عظيم قال الله عنه: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}(المطففين:6)، وقال: {فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس:33-37).. إنه مشهد وموقف تنكشف فيه الحقائق، وتعرض فيه الأعمال، وتفضح فيه السرائر، ويكون فيه الإنسان بين ستر من الله أو فضيحة أمام الخلائق، قال تعالى: {يوم تبلى السرائر * فما له من قوة ولا ناصر}(الطارق:9-10)، وقال سبحانه: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}(النور:24)..
في ذلك المشهد والموقف المهيب، والخلائق كلها واقفة في صعيد واحد، والأنفاس محبوسة، والعيون شاخصة، والشمس تدنو من الرؤوس، ينقسم الناس فيه إلى فريقين لا ثالث لهما: فريق يغمره ستر الله وفضله ورحمته، وفريق تفضحه أعماله على رؤوس الأشهاد، وما أعظم الفرق بين من ستره الله في الدنيا والآخرة فأكرمه وأعزه، وبين من فضحه الله على رؤوس الأشهاد فأذله وأخزاه. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين}(هود:18)) رواه البخاري.
فتعالوا بنا مع بعض صفات الفريق الناجي الذي يغمره الله بستره ورحمته، ومع بعض صفات الفريق الهالك الذي تفضحه أعماله، لنأخذ منها العظة، ونتزود منها زادا صالحا قبل أن يباغتنا الموت ويحل علينا بلا موعد، قال تعالى: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}(لقمان:34).
أيها المؤمنون: إن ستر الله لعبده يوم القيامة من أعظم الغايات وأسمى الأماني، ولا ينال هذا الفضل العظيم إلا من تخلق بصفات تنجيه في ذلك الموقف العصيب..
وأول هذه الصفات: سلامة القلب، كما قال الله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(الشعراء:88-89)، قلب عامر بالإيمان واليقين، خال من الشرك، مطهر من الكبر والغرور، والحقد والحسد..
ومن صفاتهم أنهم يسترون العورات، ولا يتتبعون الزلات، إذ الجزاء من جنس العمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري.
وكذلك من علاماتهم أنهم يحافظون على صلواتهم، فهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت، صلح سائر عمله، و إن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني.
ومن صفاتهم أيضا: بر الوالدين والإحسان إليهما بالقول والفعل، امتثالا لقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}(الإسراء:23).
ومن أوصافهم وعلاماتهم أنهم يحفظون ألسنتهم من الكذب والغيبة والفحش، فلا يخرج من أفواههم إلا الكلام الطيب، قال صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) رواه البخاري. وهم أيضا أهل حسن خلق وأدب، وأهل تواضع ورحمة ورفق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) رواه أبو داود.
وكذلك من صفاتهم: أنهم ينفقون مما رزقهم الله في سبيله، لا يمنون ولا يبخلون، قال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(البقرة:274).
وأنهم يجانبون المجاهرة بالذنوب، فلا يتبجحون بمعاصيهم، بل يستغفرون ربهم لذنوبهم ويندمون عليها، ويستحيون من مخالفة أمره، وقد حذر الله من إشاعة الفاحشة بأي وسيلة من الوسائل، ومنها المجاهرة بالمعصية والدعوة إليها وتزيينها وتيسيرها فقال سبحانه: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}(النور:19)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) رواه البخاري.
وتكتمل هذه الصفات لأهل الجنة وستر الله لهم يوم القيامة بتحليهم دائما بالتوبة النصوح الصادقة، إذ التوبة تمحو ما قبلها، قال الله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}(الفرقان:70)، وقال صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه.
فمن اتصف وتحلى بسلامة القلب، والمحافظة على الصلوات، وبر الوالدين وصلة الأرحام، وكف اللسان عن الناس، وسترهم وعدم تتبع زلاتهم، وحسن الخلق، والإنفاق في سبيل الله، واجتناب المجاهرة بالذنوب، والتوبة النصوح، حظي بستر الرحمن، وتجلى عليه اسم الله "الستير" في يوم تبلى فيه السرائر ويكشف فيه المستور..
عباد الله: إن فضيحة الله لعبده يوم القيامة من أشد العقوبات وأعظم الخزي، ولا ينال هذا الهوان إلا من تلطخ بصفات تهلكه في ذلك الموقف العصيب..
وأول هذه الصفات فساد القلب، كما قال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا}(البقرة:10)، قلب مملوء بالشرك، ملوث بالكبر والغرور، غارق في الحقد والحسد، خاو من الإيمان واليقين..
ومن صفاتهم أنهم يفضحون الناس، ويتتبعون عوراتهم وزلاتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه الترمذي.
ومن علاماتهم: أنهم يضيعون صلواتهم التي هي أول ما سيحاسبون عليه، فهي عندهم أثقل ما يكون، وقد قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}(مريم:59).
وكذلك من صفاتهم أيضا: عقوق الوالدين، والإساءة إليهما بالقول والفعل، مخالفة لقوله تعالى: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما}(الإسراء:23)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) رواه البخاري.
ومن صفاتهم أيضا: أنهم أهل سوء خلق وغلظة، وأهل كبر وقسوة، ويطلقون ألسنتهم بالكذب والغيبة والفحش، ولا يخرج من أفواههم إلا الباطل والكلام السيء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم) رواه البخاري، وقال: (فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء) رواه الترمذي.
ومن صفاتهم الخطيرة أنهم يجاهرون بالذنوب والمعاصي، يتبجحون ويفتخرون بمعاصيهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) رواه البخاري.
وتكتمل صفات من يعرض نفسه للفضيحة يوم القيامة بالإصرار على الذنوب وترك التوبة مع دعوة الله لنا جميعا إلى التوبة قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31)..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
إن الله عز وجل ستير يحب الستر، وقد وعد عبده المؤمن أن يستره يوم القيامة كما ستره في الدنيا، فعند القيامة والحساب يقربه ربه سبحانه ويعرض عليه أعماله وذنوبه في ستر بينه وبينه، ثم يقول: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)، فيأخذ كتابه بيمينه وقد بدلت سيئاته حسنات..أما من جاهر بالمعاصي وأصر عليها، واستخف بأوامر الله ولم يتب، فإن الله يفضحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، والجزاء من جنس العمل..
وختاما: في يوم القيامة حيث تبلى السرائر، ويعرض العباد على رب العباد، يتجلى بوضوح أن النجاة والفوز والستر ليس بالتمني والأماني، بل بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والمسارعة إلى التوبة النصوح، كما يتضح أن الهلاك والفضيحة ليس ظلما، بل هو الثمرة المرة للغفلة، والإعراض عن الله، والإصرار على الذنوب دون توبة أو استغفار..
فلنجعل من هذا الموقف والمشهد العظيم واعظا وعبرة، ولنستعد له بصالح الأعمال التي ترفع الدرجات، وصادق التوبات التي تمحو السيئات، قبل أن يباغتنا يوم يكشف فيه المستور، ويصير الناس إلى فريقين لا ثالث لهما: فريق ناج بفضل الله ورحمته ثم بعمله الصالح، وفريق هالك بما اقترفت يدا في دنياه..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

