كيف يُربِّي المؤمن قلبه على الإخلاص؟

0 0

 قد ينجح الإنسان في إتقان عمله، ويستطيع أن يخفي أخطاءه عن الناس، وربما يحسن صناعة صورته أمام الآخرين، لكن يبقى سؤال لا يملك الإجابة عنه إلا الله: لمن كان هذا العمل؟ فالقضية التي تفصل بين عملين متشابهين في الظاهر ليست حجم الجهد المبذول، ولا كثرة الإنجاز، وإنما السر الكامن في القلب. ولهذا كان الإخلاص أعظم أعمال القلوب، وأشدها احتياجا إلى مجاهدة دائمة؛ لأنه عمل لا يطلع عليه الناس، ولا تزكيه المظاهر، ولا تقيسه المقاييس البشرية.

ولذلك لم يكن اهتمام القرآن والسنة منصبا على كثرة الأعمال وحدها، بل على صلاح النية التي تبعث منها تلك الأعمال. قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم أساس قبول الأعمال قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" [متفق عليه]. وإذا كان الإخلاص بهذه المنزلة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مؤمن هو: كيف يربي قلبه على الإخلاص؟ وما الأسباب التي تعينه على الثبات عليه؟.

إن أول هذه الأسباب وأعظمها معرفة الله تعالى معرفة تملأ القلب تعظيما، ومحبة، وخوفا، ورجاء. فمن عرف ربه حق المعرفة استصغر نظر الخلق إليه، وعظم في قلبه نظر الخالق سبحانه. وكلما ازداد العبد علما بأسماء الله وصفاته ازداد إخلاصه، لأنه يدرك أن الله هو السميع البصير، العليم بخفايا القلوب، الذي لا تنطلي عليه المظاهر ولا تخدعه الكلمات. ولهذا قال ابن تيمية: (الإخلاص هو أن يقصد العبد بعمله وجه الله وحده). وهذه المعرفة تجعل القلب يراقب الله قبل أن يراقب الناس، ويطلب رضاه قبل رضاهم.

ومن أعظم ما يعين على الإخلاص استحضار الآخرة، فإن القلب إذا أيقن أن الناس جميعا لن يملكوا له يوم القيامة نفعا ولا ضرا، وأن الله وحده هو الذي يقبل العمل أو يرده، انصرفت همته إلى طلب رضاه. قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} [الشورى: 20]. وكلما تذكر العبد الوقوف بين يدي الله، هانت عليه مدائح الناس، وزهد في ثنائهم، وأصبح يسأل نفسه قبل كل عمل: ماذا أريد بهذا العمل؟ ومن أبتغي به؟.

ومن الأسباب المهمة كثرة الدعاء، فالإخلاص نعمة يهبها الله لعباده، وليس مجرد مهارة يكتسبها الإنسان. وكان السلف يخافون على قلوبهم من تقلب النيات، فيكثرون من سؤال الله الثبات والإخلاص. وكان من دعاء بعضهم: (اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا). وكيف لا يكثر المسلم من الدعاء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل". فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، و نستغفرك لما لا نعلمه" [أحمد وغيره]. فما أحوج المسلم إلى أن يلهج بهذا الدعاء.

كما أن إخفاء الطاعات من أقوى وسائل تربية الإخلاص؛ لأن النفس تميل بطبعها إلى حب الثناء، فإذا اعتادت العمل الذي لا يطلع عليه أحد، ضعفت فيها شهوة السمعة والرياء. ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من تصدق بصدقة "فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" [متفق عليه]. وقد كان الرجل من السلف الصالح يتظاهر امام امرأته أنه نائم حتى إذا نامت قام فصلى، وكان بعضهم يبل لحيته من دموعه خشية لله تعالى في ظلمة الليل، وامرأته بجواره لا تراه، وكان بعضهم يصوم ويدهن حتى لا يظن من يراه أنه صائم، وغير ذلك كثير. اما ما لابد من ظهوره فيجاهد العبد نفسه على إخلاص النية فيه.فلابد للعبد من خبيئة من أعمال صالحة لا يعلمها إلا الله؛ فهي زاده الحقيقي يوم يلقى ربه.

ومن أعظم الأسباب أيضا دوام محاسبة النفس. فالمخلص لا يكتفي بمراجعة عمله بعد انتهائه، بل يفتش قلبه قبل العمل وأثناءه وبعده؛ يسأل نفسه: هل قصدت وجه الله؟ وهل تغيرت نيتي عندما أثنى الناس علي؟ وهل كنت سأفعل هذا العمل لو لم يرني أحد؟ ولهذا قال سفيان الثوري: (ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ إنها تتقلب علي). إنها كلمة تكشف أن الإخلاص ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم يستريح، بل هو مجاهدة مستمرة حتى آخر العمر.

ولهذا كانت مجاهدة النفس من أعظم أسباب الإخلاص. قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]. فكلما أحس العبد بتطلع نفسه إلى ثناء الناس، أو سروره بمدحهم، أو حزنه لذمهم في عمل الطاعة، جاهدها، وذكرها أن القبول عند الله لا عند البشر. وقد قال ابن القيم رحمه الله: (الإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها الحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة). فصلاح الظاهر إنما هو ثمرة لصلاح الباطن.

ولا يقل أثر الصحبة الصالحة عن ذلك؛ فإن رؤية المخلصين تربي الإخلاص أكثر مما تربيه كثرة الكلام عنه. فالنفوس تقتدي قبل أن تستمع، وتتأثر بالأحوال أكثر من الأقوال. وكان كثير من السلف يخفون عباداتهم حتى عن أقرب الناس إليهم، وبعضهم لم يعرف له قيام الليل إلا بعد وفاته، حين انقطع البكاء الذي كان يسمعه أهل بيته في جوف الليل. هذه النماذج لا تدعو إلى الشهرة، بل تعلم الإنسان أن أعظم الأعمال قد تكون تلك التي لم يكتب عنها أحد، ولم يتحدث بها صاحبها.

ومن الوسائل العملية كذلك أن يكثر المسلم من الأعمال التي لا ينتظر عليها شكرا من أحد؛ كقضاء حوائج الناس سرا، أو إصلاح ذات البين، أو الصدقة الخفية، أو الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، أو خدمة الوالدين دون انتظار ثناء، أو الإحسان إلى من لا يستطيع مكافأته. فهذه الأعمال تربي القلب على أن تكون علاقته بالله مباشرة، لا تمر عبر بوابة إعجاب الناس وتصفيقهم.

ويعين على الإخلاص كذلك تذكر أن الرياء قد يتسلل إلى القلب في أدق صوره، ولذلك كان الصالحون يخافونه خوفا شديدا. وليس معنى هذا أن يترك الإنسان العمل خشية الرياء، فإن ذلك من مداخل الشيطان، وإنما الواجب أن يعمل، ويجاهد نيته، ويستعين بالله. وقد سئل الفضيل بن عياض عن ترك العمل من أجل الناس، فقال: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما). وهي قاعدة تربوية عظيمة توازن بين العمل وتصحيح القصد.

وفي عصرنا الحاضر، حيث أصبحت المنصات الرقمية تجعل كل عمل قابلا للنشر، وكل عبادة قابلة للتوثيق، وكل إحسان قابلا للتداول، تتأكد الحاجة إلى تربية النفس على الخلوات الصالحة التي لا يعلم بها إلا الله. فليس كل خير ينشر، وليس كل طاعة تصور، وليس كل إحسان يحتاج إلى شاهد. وما أحوج المسلم أن يكون له رصيد خفي بينه وبين ربه، يلقاه يوم تنقطع الأسباب، ولا يبقى إلا ما كان خالصا لله تعالى.

ويبقى أعظم ما يحفظ الإخلاص أن يوقن العبد أن القبول ليس ثمرة كثرة العمل، وإنما ثمرة صدق القلب. فقد يرفع الله عملا صغيرا أخلص صاحبه فيه، ويرد عملا عظيما خالطه طلب المحمدة أو التطلع إلى المنزلة بين الناس. قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" [الترمذي]. فالإخلاص ليس فضيلة تكمل الأعمال فحسب، بل هو روحها التي بها تحيا، وسر قبولها الذي لأجله يتفاوت الناس عند الله.

إن بناء الإخلاص لا يتم في يوم واحد، وإنما هو رحلة عمر، تبدأ بمعرفة الله، وتستمد قوتها من الدعاء، وتتغذى على مجاهدة النفس، وتحيا بالخلوات الصالحة، وتزدهر بصحبة المخلصين، حتى يصبح هم المؤمن الأكبر أن يرضى الله عنه، ولو لم يعلم الناس بعمله، وأن يكون له عند ربه ذكر في السماء، وإن كان مجهولا في الأرض. وحين يصل القلب إلى هذه المنزلة، يدرك أن أعظم المكاسب ليست أن يراه الناس صالحا، وإنما أن يراه الله مخلصا.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة