- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:القرآن الكريم
تعد تربية الأبناء من أعظم المسؤوليات التي حملها الله تعالى للوالدين، فهي ليست مجرد توفير للطعام واللباس والتعليم، وإنما هي صناعة للإنسان الصالح الذي يعبد الله، ويعمر الأرض بالخير، ويحمل رسالة الحق والفضيلة. وقد أولى القرآن الكريم قضية التربية عناية بالغة، فبين أهدافها، ورسم وسائلها، وضرب النماذج العملية في تربية الأبناء، حتى غدا القرآن الكريم منهجا متكاملا في بناء الإنسان منذ نعومة أظفاره.
ولا يقتصر المنهج القرآني على معالجة السلوك الظاهر، بل يتجه أولا إلى بناء العقيدة، ثم تهذيب الأخلاق، وتقويم السلوك، وتنمية العقل، وربط الإنسان بخالقه، ليكون فردا صالحا في نفسه، مصلحا في مجتمعه. ومن ثم فإن الأمة التي تجعل القرآن أساسا لتربية أبنائها تملك مقومات النهوض الحضاري والاستقرار الاجتماعي.
أهمية تربية الأبناء في القرآن الكريم
جعل القرآن الكريم الأبناء نعمة من نعم الله تعالى، قال سبحانه: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} [الكهف:46]. غير أن هذه النعمة قد تتحول إلى ابتلاء إذا لم تحسن تربيتها، قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن:15].
ومن هنا جاءت المسؤولية العظيمة التي حملها الله تعالى للوالدين، فقال: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم:6]. فالوقاية من النار لا تتحقق إلا بالتربية الصالحة، وتعليم الأبناء الإيمان والطاعة، وتأديبهم على الأخلاق الفاضلة، وغرس مراقبة الله تعالى في نفوسهم.
بناء العقيدة أساس التربية القرآنية
يبدأ القرآن الكريم التربية من إصلاح القلب؛ لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأخلاق والأعمال وسائر نشاط المؤمن.
ومن أروع النماذج التربوية وصايا لقمان لابنه، حيث بدأها بتقرير التوحيد، قال تعالى مخبرا عن هذه الوصايا الوالدية التربوية: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان:13].
فكانت أول قضية تربوية أوصى بها لقمان ابنه هي تصحيح العقيدة؛ لأن القلب إذا امتلأ بالإيمان استقامت الجوارح، وصحت الأعمال.
ثم عمق القرآن في نفس الابن معنى مراقبة الله تعالى، فقال سبحانه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان:16]، وهذه الوصية تغرس الرقابة الذاتية التي تجعل الإنسان مستقيما في السر والعلن.
التربية على العبادة والطاعة
لم يكتف القرآن بغرس العقيدة، بل ربطها بالعبادة العملية، وأول عبادة وصى بها لقمان ابنه عبادة الصلاة، فقد قال لابنه: {يا بني أقم الصلاة} [لقمان:17]. فالصلاة هي المدرسة اليومية التي تزكي النفس، وتنهاها عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت:45].
ومن التربية كذلك تعويد الأبناء على ذكر الله، وتلاوة القرآن، والدعاء، وربطهم بالمساجد، حتى تصبح الطاعة جزءا من حياتهم.
التربية على الأخلاق الفاضلة
جعل القرآن الكريم الأخلاق ثمرة الإيمان، ولذلك حفلت وصايا لقمان بجملة من القيم الأخلاقية الرفيعة، فقال تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17]. ثم قال سبحانه: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا} [لقمان:18]. وقال عز وجل: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} [لقمان:19].
فهذه الآيات ترسم شخصية متوازنة، تجمع بين التواضع، وحسن الخلق، والصبر، والاعتدال، والأدب في التعامل مع الناس.
كما دعا القرآن إلى بر الوالدين والإحسان إليهما، فقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء:23]. ومن شأن غرس هذا الخلق أن ينشئ جيلا يحترم الأسرة، ويحفظ حقوق الآخرين، ويبني مجتمعا متماسكا مترابطا.
التربية بالحوار والموعظة الحسنة
يمتاز المنهج القرآني باعتماده الحوار الهادئ في التربية، بعيدا عن القسوة والإكراه.
ويتجلى ذلك في تكرار النداء الحاني: {يا بني} في وصايا لقمان، وهو نداء يفيض رحمة ومودة، ويهيئ النفس لقبول النصيحة.
كما يظهر الحوار في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، حين قال له: {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} [الصافات:102]. فمع أن الأمر وحي من الله تعالى، فإن إبراهيم أشرك ابنه في الحوار، ليغرس فيه الثقة، ويهيئه لطاعة الله.
فأجاب الابن المؤمن: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات:102]. فكان الحوار سببا في ترسيخ الإيمان والطاعة.
القدوة الحسنة في التربية
لا تثمر التربية بمجرد الأقوال، بل تحتاج إلى قدوة عملية.
وقد عرض القرآن نماذج مشرقة من الآباء الصالحين، الذين ربوا أبناءهم على الإيمان، ومنهم إبراهيم ويعقوب عليهما السلام.
قال تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة:132]. كما قال سبحانه عن يعقوب عليه السلام مخاطبا أبناءه: {ما تعبدون من بعدي} [البقرة:133].
فكان هم الأنبياء الأكبر سلامة العقيدة واستقامة الدين، وهو ما ينبغي أن يكون أولويات الآباء في كل زمان.
الدعاء للأبناء ركن من أركان التربية القرآنية
لم يغفل القرآن الكريم أهمية الدعاء؛ إذ هو دليل الافتقار إلى الله تعالى، والاعتراف بأن الهداية بيده سبحانه.
ومن أجمل الأدعية القرآنية دعاء إبراهيم عليه السلام: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات:100].
ومن دعاء إبراهيم عليه السلام أيضا: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم:40].
ودعاء زكريا عليه السلام: {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} [آل عمران:38].
وقال تعالى على لسان عباد الرحمن: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} [الفرقان:74].
فالدعاء ملازم للتربية ومعين عليها؛ لأنه يستنزل توفيق الله، ويجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأسباب.
آثار المنهج القرآني في بناء الأجيال
إذا قامت تربية الأبناء على المنهج القرآني أثمرت جيلا مؤمنا ثابت العقيدة، حسن الخلق، قوي الشخصية، محبا للخير، قادرا على تحمل المسؤولية.
كما تسهم هذه التربية في استقرار الأسرة، وتقوية الروابط الاجتماعية، والحد من الانحرافات الفكرية والسلوكية، وإعداد شباب يحملون رسالة الإصلاح، ويجمعون بين العلم والإيمان، وبين العمل والأخلاق، ما يسهم ببناء مجتمع سليم ومعافى.
ومن ثم فإن نهضة الأمة تبدأ من البيت، والبيت لا يصلح إلا إذا كان القرآن الكريم قائده، والوالدان قدوته، والإيمان أساسه.
إن القرآن الكريم قدم منهجا تربويا متكاملا لبناء الأبناء، يبدأ بتصحيح العقيدة، ويغرس مراقبة الله تعالى، ويربي على العبادة والأخلاق، ويعتمد الحوار والقدوة والدعاء وسائل أصيلة في التربية. ومن أحسن تطبيق هذا المنهج خرجت أجيال صالحة تصلح بها الأسرة، ويستقيم بها المجتمع، وتنهض بها الأمة. وإن حاجة المسلمين اليوم إلى العودة إلى التربية القرآنية أشد من أي وقت مضى، لما تشهده المجتمعات من تحديات فكرية وأخلاقية، فالقرآن الكريم سيبقى المنهج الرباني الخالد الذي يبني الإنسان، ويهذب النفس، ويقود البشرية إلى الخير في الدنيا والآخرة.

المقالات

