كُفران النِعم وخطر الغفلة عن الشُكر

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

لقد أنعم الله علينا بنعم كثيرة، وخيرات ظاهرة وباطنة، لا تعد ولا تحصى، وأوجب علينا شكرها، وهو الغني الحميد، غني عن العالمين، قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}(فاطر:15)، وليس لله في شكرنا له منفعة تعود عليه، ولا في كفرنا ضرر يلحقه سبحانه وتعالى، إنما تعود منفعة الشكر على الشاكر نفسه، كما قال تعالى: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم}(النمل:40)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه سبحانه: (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

إن نعم الله تجري علينا كما تجري الأنهار، وتحيط بنا كما يحيط الهواء الذي لا يرى ولكنه لا يستغنى عنه، تتوالى علينا صباح مساء، وتغمرنا في كل لحظة وحين، فمن نعمة الرزق الذي يسر لنا به معاشنا، إلى نعمة الصحة والعافية التي بها نستمتع بالحياة ونقوم بالعبادة، إلى نعمة الأمن والاستقرار التي بها ننام مطمئنين ونعيش آمنين، إلى نعمة الأهل والأبناء الذين بهم تقر العيون وتأنس النفوس، ونعمة السمع والبصر التي بها ندرك ما حولنا ونستمتع بما خلق الله لنا، ونعمة النوم الذي جعله الله راحة للأبدان، ونعمة الماء الذي به شريان الحياة، وأعظم هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام، فهي تاج النعم، وهي النور الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، وهذه النعم وغيرها إنما هي دليل على رحمة الله بنا، وإحسانه لنا، وفضله العظيم علينا، وهي تستوجب منا دوام الشكر والاعتراف بالفضل، قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}(النحل:18)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) رواه الترمذي. 

عباد الله: مما يرشدنا إلى شكر هذه النعم أن نتأمل في أصل خلقنا، وكيف أبدع الله في تصويرنا وهيأ لنا أسباب الحياة، فالله جل وعلا لم يخلقنا عبثا، بل خلقنا في أحسن صورة وأكمل هيئة، قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}(التين:4)، وقد أودع فينا من عجائب الخلق ما تقف عنده العقول حائرة، ومنحنا نعما عظيمة في السمع والبصر والعقل والجوارح وسائر الأعضاء، ولكن بعض الناس غفلوا عن هذه النعم، بل أنكروا الحكمة من وجودهم، وراحوا يرددون كلمات الجهل والغفلة، كما قال أحدهم:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت     ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
وسأبقى سائرا إن شئت هذا أو أبيت  كيف جئت، كيف أبصرت طريقي لست أدري؟
وقال آخر من هؤلاء الذين لا يشعرون بنعم الله عليهم، ولا يعرفون غاية وجودهم في هذه الحياة:
لبست ثوب العمر لم أستشر    وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني      ولم أدر لماذا جئت أين المفر

فالعجب كل العجب من هذا الإنسان الضعيف الجهول، الذي خلقه الله من نطفة مهينة، ثم أنشز فيه العظام واللحم والعصب والعروق والدماء، فإذا استقام على قدميه وقف خصيما لربه، يجادل في آيات الله وينكر نعمه، كما فعل العاص بن وائل حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم بال يفته ويقول: يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرى؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم) رواه الحاكم، فنزلت آيات قرآنية تتلى إلى يوم القيامة فيه وفي من يشابهه في جهله وكفره وإلحاده: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون}(يس:77-83)..
من لم يعرف قدر نعم الله عليه وجحدها ولم يشكرها، انقلبت عليه نقمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم، وقال علي رضي الله عنه: "من لم يحط النعم بالشكر فقد عرضها لزوالها".
فهذه الآيات البينات، وهذه الأحاديث النبوية، وأقوال السلف الصالح كلها تذكرنا بأن شكر النعم واجب، وأن الغفلة عنها وعن شكرها سبب للهلاك وزوالها، قال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}(إبراهيم:7)..

أيها المؤمنون: إن من أعظم صور كفران وجحود النعم أن ينسى ويغفل الإنسان عن هذه النعم بل ويستعملها في معصية المنعم سبحانه، فيجعل ما وهبه الله من سمع وبصر ولسان ومال وجوارح وسيلة إلى ما يغضب الله، فينظر بعينيه إلى الحرام، أو يسمع بأذنيه الباطل واللهو، أو يطلق لسانه في الغيبة والنميمة والكذب، أو ينفق ماله في غير حقه، فيكون بذلك قد كفر نعمة الله عليه، واستحق سخطه وعقابه، وهذه الجوارح التي أكرمنا الله بها نعمة وأمانة، وسيسألنا عنها يوم القيامة، قال تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}(الإسراء:36)، وقال تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}(النور:24) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) رواه الترمذي.

ومن صور كفران النعم أن يتكاسل العبد عن شكرها بأعظم مظاهر الشكر وهو عبادة الله التي خلقنا من أجلها، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات:56)، وعلى رأس هذه العبادات الصلاة التي هي عمود الدين، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وكم من الناس يعيشون في رغد العيش ووفرة النعم، ومع ذلك يغفلون عن أداء الصلاة في وقتها، أو يقصرون في حقها، وكأنهم لا يدركون أنها شكر عملي لله على نعمه، قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}(مريم:59)، وقال صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ولو عرض على أحدنا أن يبيع بصره أو سمعه أو يديه أو قدميه بملايين الدنيا ما رضي بذلك أبدا، ومع ذلك بعض الناس يغفلون عن رؤية هذه النعم وشكرها، قال تعالى: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}(الملك:23)، وكم من إنسان حرم بعض هذه النعم، وكم من مريض يتمنى عافية ساعة، ونحن نتقلب في نعم الله صباح مساء ولا نؤدي حقها ولا شكرها..
وبعضنا إذا رأى بعض مظاهر الدنيا وزينتها من سيارات فارهة أو بيوت مشيدة، ظن أن النعمة محصورة في ذلك، وقديما وعظ أحد الحكماء الخليفة هارون الرشيد فقال له: يا أمير المؤمنين، لو كنت في صحراء قاحلة وأوشكت على الهلاك من العطش، ثم عرضت عليك شربة ماء بنصف ملكك، أكنت تبذلها؟ قال: نعم، فقال له: فإذا شربتها واستقرت في جوفك ثم احتبست، هل تبذل نصف ملكك الآخر لتخرجها؟ قال: نعم، فقال له: تبا لملك لا يساوي شربة ماء.

وختاما عباد الله: إن متاع الدنيا قليل قصير زائل، لا يدوم ولا يبقى، قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}(آل عمران:185)، والعاقل من يستشعر نعم الله عليه، ويؤدى شكرها، ويستعملها في طاعة الله ومرضاته، ويستعد للرحيل، فإن الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة