- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:توجيهات ووصايا نبوية
صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد واستقامته، وصلاح الفرد يبدأ من صلاح قلبه ثم عمله وجوارحه، ومن أهم صفات صلاح القلب الإخلاص وحسن النية.
وليس من المصادفة أن يفتتح الإمام البخاري صحيحه -وهو أهم كتاب في الحديث وأصح كتاب بعد القرآن- بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما جاهر إليه) متفق عليه، وكأن أول رسالة يوجهها إلى قارئ كتابه أن صلاح الأعمال كلها يبدأ من صلاح النية، وأن إصلاح القلب هو أساس إصلاح الإنسان.
وقد أدرك العلماء عظمة هذا الحديث، فقال الإمام الشافعي رحمه الله: "يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه". وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، وجعل حديث النيات أولها". ولم يكن ذلك لمجرد فضله؛ وإنما لأن النية هي الباعث الحقيقي للسلوك، وهي الميزان الذي يميز بين العبادة والعادة، وبين الطاعة والرياء، وبين العمل المقبول والمردود.
وفي زمن تتعرض فيه هوية الأمة الإسلامية لتحديات فكرية وثقافية وإعلامية متسارعة، وتتنازع القلوب دوافع الشهرة، والمصالح، وضغوط الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة هذا الحديث قراءة تربوية وحضارية، تبين كيف تصنع النية الصالحة إنسانا ثابتا على دينه، معتزا بهويته، مستمسكا بمنهج نبيه صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت الأخلاق ثمرة الإيمان، فإن الإخلاص هو الجذر الذي تنبت منه تلك الثمار، ولا يمكن لشجرة أن تؤتي أكلها إذا فسد أصلها.
مكانة حديث إنما الأعمال بالنيات في الإسلام:
يعد هذا الحديث من أعظم الأحاديث النبوية قدرا، وأكثرها أثرا في بناء المنهج الإسلامي؛ لأنه يضع القاعدة الكبرى التي توزن بها جميع الأعمال، ويقرر أن قيمة العمل عند الله تعالى ليست في صورته الظاهرة فحسب، وإنما في الباعث الذي دفع إليه، والقصد الذي قام عليه.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...) متفق عليه.
وقد تلقى العلماء هذا الحديث بعظيم العناية، حتى قال الإمام النووي رحمه الله: "هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام". وقد استنبط العلماء منه فوائد لا تكاد تحصى؛ ولذلك جعله كثير من المحدثين أول أحاديث مصنفاتهم؛ لأن طالب العلم قبل أن يتعلم الأحكام، يحتاج إلى أن يصحح قصده، وقبل أن يعمل يحتاج إلى أن يعرف لماذا يعمل؟ ولمن يعمل؟
فالنية ليست مجرد لفظ يقال باللسان، وإنما هي عمل القلب، وهي القصد والعزم والإرادة التي يحملها الإنسان وهو يتوجه إلى عمله؛ ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح الباطن قبل الظاهر؛ لأن الظاهر ثمرة لما في القلب.
قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له} [الأنعام: 162، 163]. وقال سبحانه: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]؛ ولهذا كانت النية روح الأعمال، والإخلاص سر قبولها.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2]: "أخلصه وأصوبه؛ فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا؛ والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة".
وهذه الكلمة تجمع شرطي قبول العمل جميعا:
الإخلاص لله تعالى.
والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهما الركيزتان اللتان تحفظان هوية المسلم؛ فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا بما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مفهوم الهوية الإيمانية في ضوء السنة النبوية:
وإذا كان الناس اليوم يتحدثون كثيرا عن الهوية الوطنية، والهوية الثقافية، والهوية الحضارية، فإن الإسلام قد قرر قبل ذلك كله مفهوما أشمل وأعمق، هو الهوية الإيمانية؛ وهي الهوية التي تنبع من عقيدة المسلم، وتنعكس على عبادته، وأخلاقه، وسلوكه، وانتمائه، وولائه، ونظرته إلى الحياة والكون والإنسان.
والهوية الإيمانية ليست شعارا يرفع، ولا مظهرا خارجيا مجردا، وإنما هي حقيقة مستقرة في القلب، تظهر آثارها على الجوارح، وتوجه تصرفات الإنسان في جميع شؤون حياته؛ ولهذا قدم القرآن الكريم بناء الإيمان على بناء الأحكام، وربط بين العقيدة والسلوك، فقال تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ۖ ونحن له عابدون} [البقرة: 138]. وقال سبحانه: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له} [الأنعام: 162، 163].
فهاتان الآيتان ترسمان هوية المسلم الحقيقية؛ إذ تجعل حياته كلها دائرة مع عبودية الله تعالى، فلا ينفصل دينه عن دنياه، ولا عبادته عن أخلاقه، ولا عقيدته عن معاملاته.
ومن هنا جاء حديث النيات ليقرر أن أول لبنة في بناء هذه الهوية هي إصلاح القصد؛ لأن القلب إذا امتلأ بالإخلاص لله تعالى، استقام السلوك، واستقرت القيم، ورسخ الانتماء إلى هذا الدين.
ومن المعلوم أن صلاح القلب بالإخلاص والمحبة، وفساده بالرياء والشرك. وهذا يبين أن معركة الهوية تبدأ من القلب قبل أن تظهر في المظاهر والأعمال؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بإصلاح القلوب عناية عظيمة، حيث قال: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) متفق عليه.
ومن تأمل هذا الحديث مع حديث النيات أدرك أن بناء الإنسان في الإسلام يبدأ من الداخل، وأن صلاح القلب هو الذي يحفظ الهوية عند تغير البيئات، واختلاف الثقافات، وتقلب الأحوال.
كيف تبني النية الصادقة شخصية المسلم؟
إن النية ليست مجرد شرط لصحة العبادة فقط، بل هي قوة تربوية هائلة، تعيد تشكيل شخصية المسلم، وتوجه حياته نحو المقاصد العليا التي جاء بها الإسلام.
أولا: النية تغرس الإخلاص لله تعالى.
فأول ما تبنيه النية في قلب المؤمن هو إخلاص العمل لله عز وجل؛ فلا يكون الدافع إلى الطاعة مدح الناس، ولا طلب الجاه، ولا تحصيل الدنيا، وإنما ابتغاء وجه الله وحده. قال تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} [الزمر: 14].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم.
فالإسلام لا يقيس الإنسان بما يملكه، ولا بما يظهره للناس، وإنما بما يحمله قلبه من صدق وإخلاص؛ ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ لأنها تتقلب علي". وهذه الكلمة تصور عظم المجاهدة التي كان يعيشها السلف في إصلاح قلوبهم، حتى مع كثرة عباداتهم وعلمهم.
ثانيا: النية تمنح الأعمال العادية صفة العبادة.
ومن أعظم آثار النية أن المسلم يستطيع أن يحول عاداته إلى عبادات، إذا قصد بها وجه الله تعالى؛ فطلب العلم، والعمل، والنفقة على الأهل، وتربية الأبناء، والإحسان إلى الناس، وإتقان الوظيفة، وخدمة المجتمع؛ كلها أعمال قد تصبح عبادات عظيمة إذا صاحبتها النية الصالحة.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"؛ أي أنه يحتسب الأجر حتى في نومه؛ لأنه ينام ليتقوى على الطاعة. وهذا من الفقه العميق في فهم حديث النيات، فإن المؤمن يعيش حياته كلها لله، فلا تضيع عليه لحظة إذا أحسن قصده.
ثالثا: النية تحمي المسلم من الرياء.
ومن أخطر ما يهدد الهوية الإيمانية أن يتحول العمل من طلب رضا الله إلى طلب رضا الناس؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على أمته من الرياء، فقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: (الرياء) رواه أحمد.
فالرياء يفسد الأعمال، ويهدم الإخلاص، ويجعل الإنسان أسيرا لنظرات الناس وثنائهم.
حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وأثره في حفظ هوية الأمة الإسلامية:
إذا كانت النية هي أساس صلاح الفرد، فإن صلاح الأفراد هو الطريق إلى صلاح المجتمعات؛ ولذلك فإن هذا الحديث لا يقف أثره عند حدود تزكية النفس، بل يمتد ليؤسس هوية أمة كاملة، تبنى على الإيمان والإخلاص والاتباع.
إن الأمة الإسلامية لم تمنح شخصيتها الحضارية من جنسها، ولا من لغتها، ولا من أرضها وحدها، وإنما من الوحي الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن التزامها بالقرآن الكريم والسنة النبوية. ولهذا كان من أعظم وسائل حفظ الهوية المحافظة على السنة علما، وعملا، ودعوة، وتعليما.
قال سبحانه: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. فالاتباع هو الضمانة الكبرى لوحدة الأمة، أما الابتداع، واتباع الأهواء، وتقليد الثقافات المخالفة دون بصيرة، فهو من أعظم أسباب تمييع الهوية، وإضعاف الانتماء، وتمزيق الصف.
قال الإمام مالك رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وهذه الكلمة من أجمع ما قيل في حفظ الهوية؛ فإن الذي صنع الجيل الأول هو الوحي، ولن يصنع الأجيال اللاحقة شيء أعظم من العودة إلى الوحي بفهم صحيح.
وهذا الأثر يلخص منهج الأمة في باب الهوية؛ فالهوية الإسلامية لا تبتكر، وإنما تتلقى من الوحي.
حديث النيات وصناعة الشخصية الثابتة أمام التحديات:
والمسلم اليوم يعيش في عالم مفتوح، تتدفق إليه الأفكار والصور والقيم من كل اتجاه، فقد دخل العالم عصرا أصبحت فيه المنصات الرقمية تشكل الأفكار، وتصنع الشهرة، وتعيد تعريف النجاح، حتى صار كثير من الناس يقيس قيمة العمل بعدد المشاهدات، والإعجابات، والمتابعين، لا بمقدار الإخلاص والقبول عند الله، حتى أصبحت الشهرة عند كثير من الناس هي الغاية.
وفي هذا الواقع تبرز عظمة حديث النيات؛ لأنه يعيد توجيه البوصلة إلى رضا الله تعالى، ويحرر الإنسان من عبودية الجماهير، فالمسلم قبل أن يكتب منشورا، أو يسجل مقطعا، أو يلقي كلمة، أو ينشر صورة، ينبغي أن يسأل نفسه:
لماذا أفعل هذا؟
ولمن أكتبه؟
ولمن أنشره؟
هل أقصد وجه الله؟
هل أنشر علما نافعا؟
هل أدعو إلى فضيلة؟
أم أبحث عن التصفيق والإعجاب؟
وهل أبتغي به وجه الله أم رضا الناس؟
وهذه الأسئلة تصنع رقابة ذاتية لا تستطيع القوانين وحدها أن تحققها.
وهذا هو الميزان الذي يربيه حديث النيات في قلب المسلم؛ مراقبة الله تعالى، وإخلاص القصد له، والثبات على الحق مهما تغيرت الموازين البشرية، قال تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19]؛ ولهذا كانت النية هي الحارس الأول للهوية الإيمانية؛ لأنها تربط الإنسان بربه قبل أن تربطه بنظرة الناس إليه.
إن هذه المحاسبة هي التي تحمي الداعية، وطالب العلم، والمربي، بل وكل مسلم، من الوقوع في أسر الشهرة، أو التنافس على حطام الدنيا، وليس معنى ذلك ترك العمل العام أو وسائل الإعلام، بل المقصود أن تكون الوسائل خادمة للرسالة، لا أن تتحول الرسالة إلى وسيلة للشهرة.
قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108].
فما أحوج شباب الأمة اليوم إلى إعادة بناء علاقتهم بأعمالهم على أساس الإخلاص، لا على أساس التصدر أو المنافسة أو طلب الشهرة.
دروس تربوية مستفادة:
ومن خلال التأمل في حديث النيات، يمكن الوقوف على جملة من الدروس العظيمة، أهمها: أن إصلاح القلب مقدم على إصلاح الظاهر، وأن الإخلاص أساس قبول الأعمال، وأن حضارة الإسلام قامت على أساس بناء الإنسان قبل العمران، وأن الهوية الإسلامية تبدأ من القلب قبل أن تظهر في المظهر، وأن المسلم يستطيع أن يحول حياته كلها إلى عبادة بالنية الصالحة، وأن محاسبة النفس من أعظم أسباب الثبات، وأن أعظم ما يحفظ الأمة من الذوبان هو تعظيم الوحيين: القرآن والسنة.
وختاما يمكن القول بأن هذا الحديث هو مشروع متكامل لإصلاح الإنسان، وبناء المجتمع، وحفظ هوية الأمة، ولهذا كان من أعظم الأحاديث الجامعة، وكانت السنة النبوية كلها مدرسة في صناعة الإنسان الرباني، الذي يعبد الله على بصيرة، ويعيش لدينه، ويعمل لأمته، ويرجو ما عند ربه سبحانه.

المقالات

