- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
نتساءل كثيرا في زحمة الحياة اليومية وصراعاتها المادية عن معايير النجاح والسعادة، فنسعى خلف لقمة العيش، وتستغرقنا المشاغل الدنيوية والمسؤوليات الحياتية، فهل توقفنا يوما في هذه الرحلة المتسارعة لنسأل أنفسنا بصدق ذلك السؤال الهام: "ماذا قدمت لأسرتك؟ أو ما هو المطلوب منك أن تقدمه لأسرتك؟
إن البيت الذي نعيش فيه ليس مجرد جدران نأوي إليها في أواخر الليل لطلب الراحة والنوم، بل هو الأمن والأمان، والراحة والاطمئنان، وهو البيئة الأساسية لبناء السعادة، فالحياة الأسرية ليست أمرا هامشيا في مسيرة الإنسان في حياته، بل هي رأس ماله الحقيقي، وتجارته الرابحة في الدنيا والآخرة، وقد جعل الله في هذه الأسرة سكنا نفسيا، ومودة غامرة، لتستقيم الحياة وتزدهر، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}(الروم:21).
واعلموا أن هذه الأسرة التي تقضي معها عمرك وتشاركها تفاصيل حياتك هي أمانة في عنقك، سيسألك الله عنها يوم القيامة، فلن تسأل عن رصيدك المالي كم بلغ، بل ستسأل عن تلك الرعية التي استرعاك الله إياها: هل حفظت ورعيت، أم أهملت وضيعت؟ وتأملوا معي هذا التوجيه النبوي الحاسم الذي ينهي حالة التهاون التي يعيشها البعض حيث قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.. وكلكم راع ومسؤول عن رعيته) رواه البخاري.
ولأجل هذه المسؤولية، سعى الإسلام لإصلاح الأسر وضمان استقرارها، فبدأ برسم معالم الطريق منذ اللحظة الأولى في بناء الأسرة، وفي مقدمة تلك الأسس: ركيزة الاختيار، فحث الرجل على اختيار الزوجة ذات الصلاح والدين، لأنها ـ بإذن الله ـ شريكة البناء والحياة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخاري، ويقول مبينا قيمتها الغالية: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) رواه مسلم.
وكما اعتنى الإسلام باختيار الزوجة، وجه الآباء إلى دقة اختيار الزوج الصالح، صاحب الخلق القويم، والدين المستقيم، ليكون مأمونا على ابنتهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) رواه الترمذي..
فإذا قامت الأسرة على هذه الأساس المتين، واستشعر الزوجان مسؤوليتهما، يتوجه الخطاب أولا إلى رب البيت وقائد السفينة بسؤال هام: ماذا بعد الاختيار؟ وماذا ينبغي أن يقدم الزوج لزوجته وأسرته لتستمر هذه السعادة؟
أيها المسلمون: مما ينبغي أن يقدمه الزوج لزوجته توفير النفقة المادية من مأكل ومشرب ومسكن، ورغم أهمية قيام الزوج بهذا الواجب الشرعي، إلا أن العطاء الأعظم والأبقى هو: حسن العشرة، وطيب المعاملة، والكلمة الحانية.
إن شريكة عمرك، ورفيقة دربك لم تترك أهلها لتعيش معك لتجد غلظة وقلقا وهما، بل جاءت لتعيش في سكن وسعادة وأمان، وحب ورعاية وحنان، ولهذا لخص الله دستور التعامل الزوجي في آية محكمة تعد قاعدة ذهبية لاستقرار البيوت، فقال سبحانه: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}(النساء:19)، والمعروف هو كل ما تطيب به النفوس، ويرتاح له الخاطر من جميل القول وكريم الفعل..
وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم المعيار الحقيقي لرجولة الرجل وخيريته، فجعل ميزان أفضليتك يبدأ أولا من طريقة تعاملك مع أهل بيتك، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله) رواه الترمذي، فليس البطل والرجل من يفرض سيطرته بالصراخ والقسوة داخل بيته، بل الرجل هو من يكون في بيته سمحا، هينا، لينا، يبث الطمأنينة في أرجاء بيته، ويسعد به زوجه وأولاده..
وتأملوا معي كيف كان نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي كان يحمل هموم الدولة والأمة، كيف كان يتعامل داخل بيته بمواقف تفيض نبلا ورحمة: تجلس أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقص عليه قصة طويلة لإحدى عشرة امرأة في الجاهلية - وهي القصة المعروفة بحديث أم زرع - ورغم كثرة تفاصيل الحكاية وطولها، استمع إليها بكل اهتمام، وجوارحه مقبلة عليها، وفي نهاية حديثها، لم يقل لها "أنا مشغول بمسؤوليات وأمور عظيمة"، بل جبر خاطرها بكلمات تفيض حبا وتوددا فقال: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) رواه البخاري.
ويدخل صلى الله عليه وسلم على زوجته صفية رضي الله عنها ذات يوم، فوجدها تبكي لأنها تأخرت في السير خلف الركب، فماذا فعل؟ لم يغضب ولم يقلل من شأن مشاعرها، بل جلس يمسح دموعها بيده الشريفة، ويواسيها ويطيب خاطرها برفق وحنان.. وفي موقف آخر تجلى فيه نبل خلقه وحسن عشرته معها، يجلس صلى الله عليه وسلم عند بعيره، فيضع ركبته الشريفة لـتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب الناقة!
وكان صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة رضي الله عنها في مكان خال ليدخل البهجة والسرور على قلبها، فسبقته مرة وسبقها أخرى، فقال لها ضاحكا وملاطفا: (هذه بتلك) رواه أحمد.
إن هذه الممارسات اليومية الدافئة هي العطاء الحقيقي الذي أهم ما تحتاج إليه زوجتك، أن تقدم لها الكلمة الطيبة، والثناء على طعامها وجهدها وتعبها في تربية الأولاد، وأن تتغافل عن أخطائها، فلا يتصيد العاقل الهفوات، بل يتذكر المحاسن والخيرات إذا رأى نقصا، امتثالا للتوجيه النبوي: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر) رواه مسلم.
أيها المؤمنون: وكما يفرض الإسلام على الزوج هذا التعامل والعطاء لزوجته، فإن المسؤولية في المقابل تقتضي من الزوجة أن تقدم لزوجها وبيتها أعظم ما تملكه المرأة الصالحة من: الطاعة بالمعروف، والتقدير لجهد الزوج، وحفظ غيبته، وبث الطمأنينة في قلبه، وحسن التربية معه لأولادهما.. والزوجة الواعية هي التي تدرك أن إحسانها وحسن تعاملها مع زوجها هي تجارتها الرابحة مع الله، ولذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن تبعلها وطاعتها لزوجها طريقا إلى الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) رواه أحمد، وليس العطاء والطاعة هنا تذللا، بل هو رفعة وشرف، يكتمل به بنيان السكن النفسي، حيث تثني الزوجة على سعي وتعب زوجها للقمة العيش، ولا تكلفه ما لا يطيق، وتتذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي النساء خير؟ قال: (التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره) رواه النسائي، فتكون له في بيته واحة أمن، ومصدر بهجة، وسندا في مواجهة أعباء الحياة..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
تحدثنا عن المسؤولية المشتركة بين الزوجين، وكيف يتكاملان بحسن العشرة لتستقيم سفينة الحياة، وتثمر بفضل الله أثمن ما نملك وهم الأبناء، لتبدأ مرحلة أخرى من المسئولية التي تقع على عاتق الوالدين معا في تقديم الحب والتربية الصالحة لهم..
أيها الآباء والأمهات: إن أولادنا اليوم يعيشون زمنا تلاطمت فيه أمواج الفتن، فما عادوا يتلقون تربيتهم من البيت والمسجد والمدرسة الفاضلة فـحسب، بل زاحمتنا على عقولهم وتربيتهم أجهزة ومواقع تواصل تبث الغث والسمين، فضلا عن رفقاء السوء، ولأجل هذا الخطر، أمرنا الله بوقاية هذه الذرية فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}(التحريم:6)، ووقايتهم تكون بحفظ دينهم، وأخلاقهم، وقلوبهم وعقولهم..
وإن أول ما يحتاجه أبناؤنا في هذا العصر هو: الاحتواء النفسي داخل البيت، فإذا لم يجد ابنك الحب والإنصات منك، سيبحث عنه في الخارج ويقع فريسة للغرباء خلف الشاشات، فاحرصوا على القرب منهم، وصادقوهم، وراقبوا - برفق وحكمة - ما يشاهدونه، واعلموا أن الحماية لا تكون بالقسوة، بل بالحوار والقدوة وبناء جسور الثقة، واستحضروا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم الشديد من التهاون في هذه الرعاية حيث قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية (ورعيتك زوجتك وأولادك)، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة) رواه البخاري، وتذكروا أن كل دقيقة تقضونها في تربيتهم والاهتمام بهم هي الاستثمار الحقيقي لسعادتكم جميعا..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

