- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:تعزيز اليقين
يعيش العالم المعاصر تحولات ثقافية وفلسفية شديدة التعقيد، أفرزت ما يعرف في الأدبيات الحديثة بـ أزمة المعنى، أو الفراغ الوجودي، وقد سعت الفلسفات المادية المتعاقبة إلى تفكيك السرديات الكبرى، وترك الإنسان الحديث والشاب على وجه الخصوص، في مهب أمواج العدمية والنسبية المطلقة، حيث جرد من غايته الأسمى وحصر في دوامة الاستهلاك اللحظي والمنفعة المادية الفجة، وفي خضم هذا التيه المظلم؛ تبرز العقيدة الإسلامية لا بوصفها مجرد تسليم غيبي، أو اعتقاد قلبي بعيد عن الواقع، بل كنسق معرفي متكامل، ومحرك فاعل يبني هوية الشاب المسلم ويمنحه بوصلة دقيقة تحدد موقعه الكوني، وتضبط إيقاع حركته نحو غاية كبرى تضفي على وجوده قيمة ومعنى لا يتبدد.
أولا: الإجابة الحاسمة عن الأسئلة الوجودية الكبرى
تبدأ أزمة الشاب المسلم حينما يبلغ مرحلة النضج الفكري وتستيقظ في عقله الأسئلة الفطرية الكبرى: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين المصير؟
والفلسفات الوضعية حينما أخفقت في تقديم إجابات متماسكة وبرهانية لهذه الأسئلة؛ فتحت الباب على مصراعيه لظواهر الاغتراب، والقلق النفسي، والفراغ الروحي الذي يجتاح الأجيال الصاعدة اليوم؛ وهنا تتدخل العقيدة الإسلامية لتقدم رؤية كونية شاملة، تقطع دابر الحيرة والشك، ولا تكتفي بتقديم مسكنات مؤقتة.
هذه الرؤية تجيب عن سؤال المبدأ بتقرير أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق العليم والمدبر الحكيم {ٱلله خلق كل شيۡءٖۖ وهو على كل شيۡءٖ وكيلٞ} [الزمر: 62]. وتجيب عن سؤال الغاية بأن الحياة الدنيا ليست مسرحا للعبث العشوائي، بل هي دار تكليف وابتلاء {ٱلذي خلق ٱلۡموۡت وٱلۡحيوة ليبۡلوكمۡ أيكمۡ أحۡسن عملٗا} [الملك: 2]. وعن سؤال المصير بالجزاء الأوفى والعدل المطلق في الدار الآخرة. هذا النسق الاعتقادي الصارم يحرر عقل الشاب من أوهام الحتمية المادية التي تحاول اختزاله في كونه مجرد ترس صغير في آلة اقتصادية ضخمة، ليعيد إليه مركزيته ككائن مكرم ذي رسالة، وهذا الوضوح العقدي لا يمنح الطمأنينة النفسية للشباب فحسب؛ بل يشكل عندهم منطلقا معرفيا وعمليا يحصنهم من الانجراف خلف التيارات الفكرية الهدامة، ويوجه طاقاتهم الكامنة نحو العمل والبناء بثقة مستمدة من اتصاله بالله سبحانه وتعالى، مما يجعل خطواتهم في الحياة ثابتة، وموزونة، وذات معنى عميق أيضا.
ثانيا: عقيدة الاستخلاف.. من التهميش إلى الفاعلية الحضارية
إن الإيمان بأن الإنسان لم يخلق سدى، يتبعه إيمان أعمق بالمهمة الجليلة التي شرفه الله بها، وهي "الاستخلاف في الأرض". هذا المفهوم القرآني ليس مجرد مصطلح وعظي يردد، بل هو نظرية سياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة تضع الإنسان في قلب المشروع الحضاري؛ فهو يحدث انقلابا جذريا في نظرة الشاب لنفسه ولمحيطه المجتمعي والكوني، وإن الشاب الذي يستوعب أبعاد عقيدة الاستخلاف يتحول تلقائيا من كائن سلبي يعيش على هامش الأحداث، ومن مجرد مستهلك لما تفرزه الحضارات الأخرى، إلى شريك أساسي وفاعل في بناء العمران الإنساني وفق المنهج الرباني.
إن عقيدة الاستخلاف في الأرض النابعة من قوله تعالى: {إني جاعلٞ في ٱلۡأرۡض خليفةٗ} [البقرة: 30]؛ تعمق الإحساس بـ "المسؤولية الفردية والجماعية"؛ فالشاب يدرك يقينا أنه مؤتمن على قدراته العقلية، ووقته، وموارده، ومطالب بتوظيفها في إحداث تغيير إيجابي وإصلاح حقيقي للأنظمة والمجتمعات، وهذا الشعور العميق بالأمانة ينتشله من براثن الانسحابية والأنانية الضيقة، ليرى نفسه امتدادا لأمة مكلفة بالشهادة على الناس وقيادة قاطرة الإصلاح، وبذلك يصبح كل سعي حثيث نحو الإنجاز والتميز في شتى الميادين -الأكاديمية والمهنية والاجتماعية- أداة لتطبيق مراد الله في الأرض، ولبنة في صرح الشهود الحضاري الذي لا ينفصل بحال عن جوهر دينه وعقيدته.
ثالثا: الإيمان بالقدر كمولد للصلابة النفسية
في مسيرة البحث عن الذات وتحقيق الأهداف؛ تصطدم طموحات الشباب بتحديات قاسية، وإخفاقات قد تؤدي -في ظل غياب المعنى- إلى الانكسار والانهيار النفسي؛ وهنا يتجلى دور العقيدة، وتحديدا "الإيمان بالقضاء والقدر"؛ كدرع واق ومولد حقيقي لما يعرف حديثا بـ "الصلابة النفسية"، ففي ميزان هذه العقيدة، يعاد تعريف المحن والشدائد فلا يوجد ألم عبثي أو معاناة مجانية، بل كل محنة هي ابتلاء يحمل في طياته ارتقاء في الدرجات، وتكفيرا للسيئات، وتمحيصا للصفوف قال صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم. هذا اليقين بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله تعالى، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه؛ يمنح الشاب طمأنينة وسكينة لا تتزلزل بتقلبات الواقع، أو باختلال موازين القوى المادية؛ لأنه تحرر كامل من اليأس، يحمي عقل الشاب المسلم من السقوط في مستنقعات الاكتئاب والهشاشة النفسية التي تفتك بكثير من شباب العصر المادي.
رابعا: توحيد الوجهة وتكامل مسارات الحياة
ولعل من أبرز مشكلات الشاب المعاصر هي حالة "التمزق الداخلي" والتشتت بين متطلبات الروح والمادة، وبين طموحات الدنيا وواجبات الدين؛ فتأتي عقيدة "التوحيد" لتعالج هذا الانشطار؛ فالتوحيد لا يقتصر على إفراد الله بالعبادة الشعائرية فحسب، بل يمتد ليشمل توحيد قصد الإنسان ووجهته، ومرجعيته الحاكمة في الحياة، بفضل هذه العقيدة تتحول كافة مساعي الشاب المسلم: من دراسة أكاديمية، وبحث علمي، وعمل مهني، وعلاقات أسرية ومجتمعية؛ إلى عبادة متصلة ومأجورة، متى ما اقترنت بالنية الصادقة والالتزام بالشرع، وهذا التكامل الفذ يلغي الصراع المفتعل والموهوم بين الدين والدنيا؛ ليصبح الانخراط في إصلاح المجتمع، وتطوير النظم، والارتقاء بالأمة، جزءا لا يتجزأ من السعي نحو رضا الله، وتحقيق الغاية الوجودية.
ولذا ينبغي أن يعي الشاب المسلم أن العقيدة الإسلامية ليست مجرد نصوص تحفظ، بل هي مشروع إحياء متكامل يبني إنسانا متزنا، فاعلا مدركا لغايته، وحينما تتشرب روح الشاب المسلم مفاهيم هذه العقيدة الصافية، فإنه لا يجد فقط "المعنى" الذي يفتقده الملايين في زحام الحداثة السائلة، بل يمتلك "الدافع" المستدام الذي لا ينضب، وهو ما يصنع من الشاب المسلم رقما صعبا في معادلة النهضة وصناعة التاريخ، متجاوزا بذلك كل محاولات التسطيح والتغييب التي تستهدف جيله وأمته، ليمضي في حياته حاملا مشعل النور لنفسه وللبشرية جمعاء.

المقالات

