- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:مقاصد السنة النبوية
لم تكن السنة النبوية مشروعا لإصلاح الفرد بمعزل عن مجتمعه، بل جاءت لبناء الإنسان الذي يحمل مسؤولية نفسه ومن حوله، ويعيش في جماعة تقوم على الإيمان، والتراحم، والتعاون، والتكافل، وحفظ الحقوق.
ومن أبرز المبادئ التي أقام عليها النبي ﷺ المجتمع المسلم مبدأ الأخوة الإيمانية؛ تلك الأخوة التي تتجاوز روابط الدم والنسب والمصلحة، لتربط القلوب بعقيدة واحدة، وقيم مشتركة، وشعور متبادل بالمسؤولية. عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) متفق عليه.
وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل بقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 10]. فالأخوة هنا ليست مجرد وصف عاطفي، وإنما رابطة لها آثار اجتماعية وتكاليف عملية؛ ولذلك جاء الأمر بالإصلاح بين المؤمنين عقب تقرير الأخوة مباشرة. وكأن الآية تقول إن الأخوة الحقيقية تظهر عند الاختلاف، وتختبر عند النزاع، وتتحول إلى عمل حين يحتاج المجتمع إلى الإصلاح.
ومن هنا فإن دراسة الأخوة الإيمانية في السنة النبوية تكشف عن منظومة متكاملة من المقاصد الاجتماعية التي أراد الإسلام من خلالها بناء مجتمع متماسك، يشعر فيه الفرد أنه جزء من جماعة، وأن قوة أخيه من قوته، وضعفه يستدعي نصرته، وحاجته تستوجب معاونته، وألمه يستحق المشاركة والمواساة.
الأخوة الإيمانية رابطة تتجاوز المصلحة
من أعظم مقاصد الأخوة الإيمانية أن يتحرر المجتمع من العلاقات القائمة على المصلحة المجردة، أو الروابط الضيقة والمحدودة، وأن تنشأ بين أفراده رابطة أعمق أساسها الإيمان. قال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
فالحديث ينقل العلاقة بين المسلمين من مجرد عدم الإضرار إلى مستوى أعلى وهو إرادة الخير للآخرين كما يريده الإنسان لنفسه، وهذه القيمة لها أثر بالغ في المجتمع؛ لأن كثيرا من مظاهر التنافس السلبي والحسد والأنانية تنشأ حين ينظر الإنسان إلى مصلحة غيره باعتبارها منافسة لمصلحته.
أما الأخوة الإيمانية فتعيد تشكيل هذه النظرة؛ إذ تجعل نجاح الآخرين خيرا ينبغي أن يفرح به المسلم، وحاجتهم مجالا للعطاء، وتقدمهم سببا للتعاون لا للحسد. وحين تنتشر هذه الروح تقل النزاعات القائمة على الأنانية، وتزداد الثقة بين أفراد المجتمع، ويصبح التعاون قيمة اجتماعية راسخة.
الأخوة وبناء مجتمع متراحم
من أهم المقاصد الاجتماعية للأخوة الإيمانية إقامة مجتمع يقوم على الرحمة؛ عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه. وقد اختار النبي ﷺ صورة الجسد الواحد؛ لأن الجسد لا يمكن أن يكون قويا إذا كان بعض أعضائه يتألم والآخرون لا يشعرون به.
وهذا التصوير النبوي يربي المسلم على تجاوز الفردية، فلا يعيش منعزلا عن هموم مجتمعه، ولا يرى مشكلات الآخرين شأنا لا يعنيه؛ فإذا مرض إنسان وجد من يسأل عنه، وإذا أصيب إنسان وجد من يواسيه، وإذا احتاج فقير وجد من يعينه، وإذا وقع مظلوم وجد من ينصره بالحق، وإذا اضطربت علاقة بين شخصين وجد من يسعى في الإصلاح.
وهكذا تتحول الأخوة من مفهوم نظري إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية الرحيمة التي تحمي المجتمع من القسوة واللامبالاة، والأنانية والانعزال كل بنفسه ودائرته الضيقة فقط.
الأخوة وحفظ كرامة الإنسان
من مقاصد الأخوة الإيمانية أن تصان كرامة المسلم، فلا يكون المجتمع بيئة للسخرية، أو الإهانة، أو التشهير، أو الاحتقار. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} [الحجرات: 11]. فالأخوة تقتضي أن ينظر المسلم إلى أخيه بعين التكريم، لا بعين البحث عن عيوبه.
ومن هنا جاءت السنة بالنهي عن احتقار المسلم، وجعلت حفظ كرامته جزءا من الأخلاق التي ينبغي أن تسود بين المؤمنين؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره) رواه مسلم.
وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مجالا واسعا للنقد والسخرية والتعليق، تزداد أهمية هذا المعنى؛ لأن كلمة واحدة قد تنتشر بين أعداد كبيرة من الناس، وقد تتحول لحظة من السخرية إلى أذى اجتماعي مستمر.
الأخوة والإصلاح بين الناس
لم تكتف السنة بتقرير مبدأ الأخوة، وإنما جعلت الإصلاح بين المؤمنين من أهم ثمارها. قال تعالى: {فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10]. فوجود الخلافات أمر طبيعي في البشر، لكن المجتمع القوي ليس المجتمع الذي لا تقع فيه الخصومات، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على احتوائها ومعالجتها.
عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) رواه الترمذي.
وهذا يدل على عظم الإصلاح الاجتماعي؛ لأن الخصومة إذا طالت قد تنتقل من فردين إلى أسرتين، وربما إلى جماعتين، وتتحول من خلاف محدود إلى قطيعة وعداوة، وفساد في دين الناس وأخلاقهم.
أما الإصلاح فيعيد العلاقات إلى أصلها، ويمنع اتساع دائرة النزاع؛ ومن هنا ينبغي أن تكون ثقافة الإصلاح حاضرة في الأسرة، وبين الجيران، وفي بيئة العمل، وفي المؤسسات التعليمية، وفي المجتمع عموما.
الأخوة والتكافل الاجتماعي
الأخوة الإيمانية لا تكتمل مع وجود الفقر والحاجة والضعف إذا كان القادرون لا يشعرون بمسؤوليتهم تجاه المحتاجين.
عن أبي هريرة، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وهذه قاعدة تربوية واجتماعية عظيمة؛ فمساعدة الإنسان لأخيه ليست مجرد تفضل شخصي، بل هي عبادة يؤجر عليها المسلم، وسبب لمعونة الله له.
والتكافل قد يكون بالمال، وقد يكون بالعلم، أو الوقت، أو الجهد، أو الشفاعة الحسنة، أو تقديم المشورة، أو مواساة المحتاج، أو مساعدة من عجز عن إنجاز أمر من أموره.
وهذا التنوع يجعل كل فرد قادرا على المشاركة في بناء المجتمع، فلا يقتصر دور التكافل على الأغنياء وحدهم.
الأخوة وحفظ الحقوق
من مقاصد الأخوة أن يعرف كل مسلم أن لأخيه حقوقا لا يجوز التفريط فيها. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حق المسلم على المسلم ست. قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) رواه مسلم.
وهذه الحقوق تصنع شبكة اجتماعية متينة؛ لأن الإنسان حين يمرض يجد من يزوره، وحين يدعو يجد من يجيبه، وحين يحتاج إلى النصيحة يجد من يرشده، وحين يموت يجد من يشيع جنازته ويدعو له.
وقد تبدو هذه الأعمال بسيطة منفردة، لكنها حين تتحول إلى ثقافة اجتماعية عامة تصنع مجتمعا يشعر فيه الإنسان أنه جزء من كيان وجسد واحد متماسك ومتضامن.
الأخوة ونبذ الحسد والعداوة
من أخطر ما يهدد الأخوة الحسد والقطيعة وسوء الظن والتدابر. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا) رواه مسلم. فجمع النبي ﷺ بين النهي عن أمراض القلوب وبين الأمر بالأخوة؛ لأن الأخوة لا يمكن أن تستقر في مجتمع تكثر فيه الأحقاد.
والحسد لا يضر صاحبه وحده، بل يمكن أن يتحول إلى سلوك اجتماعي يفسد العلاقات ويولد العداوات؛ ولهذا تحتاج المجتمعات إلى تربية أبنائها على الفرح بنجاح الآخرين، واحترام التفاوت بين الناس، وإدراك أن اختلاف الأرزاق والمواهب سنة من سنن الله، وأن نجاح شخص لا يعني فشل غيره.
الأخوة وبناء الثقة الاجتماعية
الثقة من أهم عناصر قوة المجتمعات، والأخوة الإيمانية تسهم في بنائها؛ لأن المسلم حين يعلم أن أخاه يخاف الله، ويحفظ حقوقه يشعر بالأمان في التعامل معه.
ومن أعظم صور ذلك: حفظ الأمانة، والصدق في الحديث، والوفاء بالعهد، وعدم استغلال حاجة الآخرين. قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58].
ولذلك جعلت السنة الإخلال بمثل هذه الأمور من علامات النفاق المضاد للإيمان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه؛ ومن المعلوم بأن الأخوة الصادقة بين المسلمين قائمة أصلا على الإيمان الذي يبني الثقة بينهم؛ والثقة لا تبنى بالكلمات، وإنما بالمواقف المتكررة التي تثبت للإنسان أن أخاه حريص على حقه، وكلما ارتفع مستوى الثقة بين أفراد المجتمع، انخفضت الحاجة إلى الشك والاحتياط المبالغ فيه، وأصبح التعاون أكثر سهولة، والعلاقات أكثر استقرارا.
الأخوة في الأسرة والمجتمع
تبدأ الأخوة الإيمانية من الأسرة؛ فالأب والأم يربيان أبناءهما على الرحمة والتعاون، والإخوة يتعلمون مشاركة بعضهم، وحفظ حقوق بعضهم، والبعد عن الخصومة والحسد. ثم تنتقل هذه التربية إلى المدرسة، والمسجد، والحي، ومجتمع العمل.
وهذا يعني أن الأخوة ليست موضوعا اجتماعيا منفصلا عن التربية، بل هي نتيجة مباشرة لنمط التربية الذي يتلقاه الإنسان منذ طفولته؛ فإذا تربى الطفل على أن أخاه شريك له في الخير، وأن مساعدة الآخرين خلق محمود، وأن الاعتذار فضيلة، وأن العفو قوة، وأن الإصلاح بين الناس عمل عظيم؛ نشأ وهو يحمل هذه القيم إلى المجتمع.
أما إذا تربى على الأنانية، والمقارنة المستمرة، والسخرية، والانتصار للنفس، فمن الصعب أن يتحول إلى عنصر إيجابي في بناء العلاقات الاجتماعية.
الأخوة في الفضاء الرقمي
تمتد الأخوة الإيمانية إلى العالم الرقمي كما تمتد إلى الحياة الواقعية؛ فالمسلم مطالب بأن يحفظ أخاه من الأذى في تعليقه ومنشوره ورسائله، وألا ينشر ما يسيء إليه، وألا يشارك في التشهير به أو السخرية منه. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.
وفي عصر يمكن فيه للكلمة أن تنتشر في لحظات، تصبح مسؤولية المسلم عن لسانه وقلمه أعظم.
ومن صور الأخوة الرقمية أن ينشر الإنسان ما ينفع، وأن يصحح الخطأ بالحكمة، وأن يحترم المخالف، وأن يتجنب نقل الشائعات، وأن يحفظ الخصوصيات، وأن لا يجعل اختلاف الرأي سببا لإسقاط الأخوة؛ فالمجتمع الرقمي جزء من المجتمع الحقيقي، وما يزرعه الإنسان فيه من أخلاق سيعود أثره على العلاقات الواقعية.
الحصيلة الاجتماعية للأخوة الإيمانية
من خلال الهدي النبوي يتبين أن الأخوة الإيمانية تحقق مجموعة من المقاصد الاجتماعية الكبرى، من أهمها:
تحقيق الوحدة الاجتماعية وربط القلوب بالإيمان.
نشر الرحمة والتعاطف بين أفراد المجتمع.
تعزيز التكافل ومساعدة المحتاجين.
حفظ الكرامة والحقوق.
إصلاح النزاعات قبل تفاقمها.
مقاومة الحسد والعداوة.
بناء الثقة الاجتماعية.
تعزيز المسؤولية الجماعية.
حماية الأسرة من التفكك.
إقامة علاقات رقمية أكثر أخلاقا ومسؤولية.
وهكذا يتضح أن الأخوة في السنة ليست قيمة فردية فحسب، وإنما هي بنية اجتماعية متكاملة؛ كلما قويت في المجتمع قويت روابطه، وكلما ضعفت ظهرت مظاهر التفكك والأنانية والقطيعة.
إن السنة النبوية حين تحدثت عن الأخوة الإيمانية لم تكن تؤسس لعلاقة عاطفية عابرة، وإنما كانت تبني مجتمعا جديدا يقوم على الإيمان والرحمة والتعاون والتكافل وحفظ الحقوق؛ فالمؤمن لا يعيش لنفسه وحدها، ولا ينظر إلى أخيه باعتباره منافسا دائما، وإنما يراه شريكا في الإيمان، يجمعه به حق الأخوة، وواجب النصرة، ومسؤولية الإصلاح.
ومن هنا فإن إعادة بناء الأخوة الإيمانية في مجتمعاتنا ليست أمرا ثانويا، بل هي حاجة تربوية واجتماعية ملحة، خصوصا في زمن تتزايد فيه الفردية، وتتسع فيه دوائر التواصل، بينما قد تضعف العلاقات الحقيقية بين الناس.
إننا بحاجة إلى أن نعيد للأخوة معناها العملي: أن نسأل عن الغائب، ونعود المريض، ونساعد المحتاج، ونصلح بين المتخاصمين، ونحفظ حقوق الآخرين، ونستر عيوبهم، ونفرح لنجاحهم، ونواسيهم في مصائبهم، ونحسن التعامل معهم في الواقع والفضاء الرقمي.
فإذا أصبح المسلم للبناء لبنة، ولأخيه سندا، وللمجتمع عنصر إصلاح، اجتمعت القلوب، وقويت الروابط، واستطاع المجتمع أن يواجه تحدياته بثبات؛ لأن المجتمعات القوية لا تقوم على قوة أفرادها منفردين، وإنما على قوة الروابط التي تجمع بينهم.
وهكذا تتحول الأخوة من شعار يرفع إلى ثقافة مجتمعية تمارس، ومن مفهوم نظري إلى سلوك يومي، ومن رابطة إيمانية في القلب إلى أثر ظاهر في الأسرة والمجتمع، وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا) متفق عليه.

المقالات

