من أدب الرافعي :حين تتكلم القبور

0 0

المقابر في نظر الإنسان العادي لا تعدو أن تكون بقاعا صامتة، تستقر فيها الأجساد بعد رحلة العمر، ثم تمضي الحياة من حولها كأن شيئا لم يكن، غير أن الأدباء الكبار يملكون قدرة نادرة على تحويل المشهد المألوف إلى سؤال فكري، وتحويل الصمت إلى خطاب، وتحويل المكان الجامد إلى كتاب مفتوح يقرأ فيه الإنسان نفسه، ومصيره، ومن هؤلاء الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي وقف أمام القبور لا بوصفها نهاية للحياة، بل بوصفها بداية جديدة لحياة أخرى، ومجالا للتأمل في مصير الإنسان، باعتبار أنه دخل طورا جديدا، وبرزخا مديدا، فخرج أديبنا من زيارته الشهيرة للمقبرة بنص من أجمل النصوص الفكرية، والأدبية في الأدب العربي الحديث.

الرافعي لا يدخل للمقبرة حاملا باقة من الذكريات فحسب، بل يدخلها محملا بأسئلة الوجود الكبرى، فهو يقول: "ذهبت في صبح يوم ... أحمل نفسي بنفسي إلى المقبرة ، وقد مات لي من الخواطر موتى لا ميت واحد؛ فكنت أمشي وفي جنازة بمشيعيها؛ من فكر يحمل فكرا، وخاطر يتبع خاطرا، ومعنى يبكي، ومعنى يبكي عليه..... ذهبت أزور أمواتي الأعزاء، وأتصل منهم بأطراف نفسي؛ لأحيا معهم في الموت ساعة ، أعرض فيها أمر الدنيا على أمر الآخرة، فأنسى، وأذكر، ثم أنظر، وأعتبر، ثم أتعرف، وأتوسم ".
هذه العبارات تكشف أن الموت عند الرافعي ليس مفارقة الجسد للحياة فقط، بل تجربة روحية تعيد ترتيب المعاني في النفس، ومن مات له حبيب لم يفقده فقط، بل فقد مراحل من عمره، وأحلاما عاشها، وصورا اختزنها، وخواطر كانت جزءا من تكوينه النفسي، وهو يريد من مناجاة ساكني القبور، التأمل في المصير، وأن يخرج ببصيرة تعيدنه في سيره إلى الله تعالى.

المقبرة عند الرافعي مدرسة للتفكير العميق، لا مكانا للأموات وحدهم، بل مكانا يتعلم فيه الأحياء كيف ينظرون إلى أنفسهم وإلى الدنيا؛ لذلك يصف الرافعي القبور بأنها المكان الذي :"تأتيه العيون بدموعها، وتمشي إليه النفوس بأحزانها"، وكأن الإنسان حين يدخل عالم الموتى يخرج مؤقتا من ضجيج الحياة، ومنافساتها الصغيرة، ليقف أمام الحقيقة التي لا يستطيع إنكارها، أو الهروب منها.

ولعل أعظم ما يلفت النظر في رؤية الرافعي أنه لا يتعامل مع الموت بوصفه عدوا للحياة، بل بوصفه مفسرا لها، فالشيء لا تعرف قيمته إلا إذا عرفت نهايته؛ ولهذا نجده يتعجب من الناس قائلا: " يا عجبا للناس عجبا لا ينتهي! كيف يجعلون الحياة مدة نزاع، وهي مدة عمل؟ وكيف لا تبرح تنزو النوازي بهم في الخلاف، والباطل، وهم كلما تدافعوا بينهم قضية من النزاع، فضربوا خصما بخصم، وردوا كيدا بكيد، جاء حكم الموت تكذيبا قاطعا لكل من يقول لشيء: هذا لي؟".
نصيحة أخلاقية عميقة؛ إذ يرى أن كثيرا من البشر يستهلكون أعمارهم في الخصومات، والصراعات، والأحقاد، بينما العمر أقصر من أن يهدر في ذلك كله.

هذه المعاني التي خاض فيها الأديب الرافعي يلتقي مع جوهر الرؤية الإسلامية للحياة؛ فالدنيا ليست ميدانا للتفاخر، والتكاثر بقدر ما هي ميدان للاختبار، والعمل، وقد عبر الرافعي عن ذلك بأسلوب بديع حين قال: "الحياة مدة عمل"، إنها عبارة تختزل حقيقة وجودنا في الحياة، فالعمر ليس ما نملكه من سنوات، بل ما أنجزنا فيه من عمل خير يؤهلنا لعاقبة سعيدة، والإنسان لا يقاس بطول بقائه في الدنيا، وإنما بما يتركه فيها من أثر صالح، أو طالح.

ومن أعمق الصور التي رسمها الرافعي تصويره للقبر إذ يقول:" القبر كلمة الصدق مبنية متجسمة، فكل ما حولها يتكذب ويتأول، وليس فيها هي إلا معناها، لا يدخله كذب، ولا يعتريه تأويل، وإذا ماتت في الأحياء كلمة الموت من غرور، أو باطل، أو غفلة، أو أثرة، بقي القبر مذكرا بالكلمة، شارحا لها بأظهر معانيها، وداعيا إلى الاعتبار بمدلولها، مبينا بما ينطوي عليه أن الأمر كله للنهاية"، الأغنياء، والفقراء، الأقوياء، والضعفاء، الملوك، والعامة؛ جميعهم ينتهون إلى المصير نفسه.

القبر عند الرافعي ليس رمزا للتشاؤم، إنما هو مكان إقامة إلزامي للجميع، يذكر الإنسان بأن ما يملكه ليس ملكا دائما، وأن ما يتنافس عليه الناس من متاع الدنيا زائل لا محالة؛ ولهذا يسخر الرافعي من غرور البشر حين يقول: "أما والله إنه ليس أعجب في السخرية بهذه الدنيا من أن يعطي الناس ما يملكونه فيها لإثبات أن أحدا منهم لا يملك منها شيئا، إذ يأتي الآتي إليها لحما، وعظما، ولا يرجع عنها الراجع إلا لحما، وعظما "، نعم فكل ما نظنه ملكا لنا، هو في الحقيقة أمانة مؤقتة، سرعان ما تعود إلى غيرنا.

غير أن الرافعي لا يقف عند حدود التأمل، بل ينتقل إلى البعد التربوي، والأخلاقي؛ فالموت في نظره ليس مجرد محطة لنهاية المشوار الأول، وإنما معيار لتقويم السلوك الإنساني، فإذا كانت هذه المحطة حتمية، وجب أن تبنى الحياة على أساس ذلك، ومن هنا يدعو إلى قتل الشر في بدايته، وألا تترك العداوة، والبغضاء، والكبر، والخداع، حتى تتضخم هذه الأمراض، وتفسد النفوس، ويقول في عبارة ذات دلالة بليغة: "ويجب أن يكون لكل منها في الإرادة قبر"، وكأن الأخلاق ليست مجرد أوامر خارجية، بل قدرة داخلية على دفن الشرور، قبل أن تتحول إلى أفعال.
ومن أجمل ما في هذا النص أن الرافعي يجعل من القبر مصدرا للسلام النفسي، وباعثا على العمل الصالح، فهو يقول: "إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة، فالذي يتذكر الموت، لا يزدري الحياة، بل يقدرها أكثر؛ لأنه يعرف أنها فرصة محدودة لا تتكرر، والذي يدرك قصر العمر يصبح أحرص على وقته، وأشد محافظة على أخلاقه، وأكثر وعيا بأولوياته".

ويختم الرافعي تأملاته بقوله: "ثلاثة أرواح لا تصلح روح الإنسان في الأرض إلا بها: روح الطبيعة في جمالها، وروح مكان العبادة في طهارته، وروح القبر في موعظته"، ففي هذه العبارة تتلخص رؤية الأديب لبناء الإنسان، فالجمال يغذي الذوق، والعبادة تطهر القلب، والموت يهذب الإرادة، ويعيد ترتيب المعاني.

إن الحضارات المعاصرة، رغم ما بلغت من تقدم مادي، تعاني في كثير من الأحيان من أزمة معنى؛ إذ انشغل الإنسان بوسائل الحياة أكثر من انشغاله بغاياتها، ومن هنا تبقى هذه النصوص الأدبية للرافعي وغيره من الأدباء المجيدين، حية ومتجددة؛ لأنها تذكر الإنسان بالحقيقة التي لا تتغير مهما تبدلت الأزمنة: أن قيمة العمر ليست فيما نجمعه، بل فيما نصنعه، وأن النهاية ليست لإرهاب الإنسان، بل لإيقاظه.

وهكذا تتحول القبور في أدب الرافعي من حجارة صامتة إلى معلم حكيم، ومن مشاهد للفناء إلى منارات للهداية، إنها تهمس لكل عابر بأن الحياة أقصر من أن تهدر في الخصومات، وأثمن من أن تستنزف في الشهوات، وأعظم من أن تعاش بلا هدف، ومن يصغ إلى هذا الهمس جيدا، يدرك أن القبور لا تتحدث عن الموت وحده، بل تعلمنا كيف نحيا.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة