شروط قبول الأعمال

0 0

الخطبة الأولى
 
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. اتقوا الله عباد الله حق التقوى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
 
عباد الله: اعلموا أن الغاية العظمى للمؤمن في هذه الحياة ليست مجرد الاستكثار من العمل، بل الغاية هي تحسين العمل وتجويده وتحري قبوله. فكم من عامل ناصب يوم القيامة لا يجد لعمله وزنا، وكم من مقل في العمل أدرك منازل الأبرار بحسن سريرته وصحة مساره. ولهذا كان السلف الصالح رحمهم الله أشد اهتماما بقبول العمل من العمل نفسه، عملا بقوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60]، جاء في تفسيرها: هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم.
 
وإن لقبول الأعمال عند الله عز وجل شروطا ثلاثة، هي بمثابة الميزان الدقيق، لا يرفع لله عمل ولا يثقل به الميزان إلا باجتماعها، وهي: الإسلام، والإخلاص، والاتباع.
 
أيها المسلمون: أول وأعظم هذه الشروط هو الإسلام، أي الاستسلام لله وتوحيده جل وعلا، والدخول في دينه. فالأعمال الصالحة من بر، وصلة رحم، وصدقة، ومساعدة للملهوف؛ لا تنفع صاحبها في الدار الآخرة ما لم تكن مبنية على أساس التوحيد الخالص. فالتوحيد هو الأرض الصلبة التي تبنى عليها الطاعات، والكفر والشرك محبط لكل عمل مهما عظم في عيون الناس. يقول الله تبارك وتعالى قاطعا هذا الأمر: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85]. وقد ضرب الله جل وعلا في القرآن الكريم أمثالا بليغة لأعمال الكافرين والمشركين الذين عملوا أعمالا ظنوها صالحة، فبين أنها يوم القيامة تتلاشى كالسراب، قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39]، وقال سبحانه: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم: 18]. فالإسلام والإيمان هما وعاء العمل، ولا يقبل الله من مشرك أو كافر صرفا ولا عدلا، بل يعجل لهم جزاء أعمالهم الخيرة في الدنيا صحة أو مالا أو جاها، حتى إذا أفضوا إلى الآخرة لم يكن لهم نصيب.
 
عباد الله: فإذا تحقق أصل الإسلام للمرء، وجب عليه تحقيق الشرط الثاني في كل عمل يتقرب به إلى الله، وهو "الإخلاص". والإخلاص هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالقصد والطاعة، فلا يبتغي العبد بعمله رياء، ولا سمعة، ولا مصلحة دنيوية، ولا يطلب به مدحا من الناس أو هربا من ذمهم. والعمل بلا إخلاص كجسد بلا روح؛ لا ينبض بالحياة، ولا يصعد إلى السماء. قال جل وعلا: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5]. ولخطورة غياب الإخلاص، سمى النبي صلى الله عليه وسلم الرياء بـ "الشرك الأصغر"، وقال في الحديث القدسي عن رب العزة جل جلاله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) رواه مسلم.
 
وتأملوا عباد الله في الحديث العظيم الذي يرجف القلوب، في أول من تسعر بهم النار يوم القيامة؛ لم يكونوا من قطاع الطرق ولا من أهل الفجور، بل هم: مجاهد، وعالم أو قارئ للقرآن، ومنفق متصدق. فلماذا استحقوا النار رغم جلالة أعمالهم؟ لأن المجاهد قاتل ليقال "جريء"، والقارئ قرأ ليقال "عالم"، والمنفق تصدق ليقال "جواد".
ضاع الإخلاص، فصارت هذه الأعمال العظيمة وبالا على أصحابها.
الإخلاص هو سرية العبد مع ربه، وهو الذي يعظم العمل الصغير حتى يجعله كالجبل، وغيابه يحبط العمل الكبير حتى يجعله هباء منثورا.
 
أيها المسلمون: لا يكفي أن يكون المسلم مؤمنا ومخلصا في نيته حتى يقبل عمله التعبدي، بل لا بد أن يكون هذا العمل موافقا لهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به الشرع المطهر، وهذا هو شرط "الاتباع". فالنية الطيبة وحدها لا تصلح العمل الفاسد أو المبتدع. وقد أغلق النبي صلى الله عليه وسلم باب الابتداع في الدين إغلاقا محكما بقوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم؛ أي مردود على صاحبه غير مقبول.
إن كمال الدين قد تحقق في عهد النبوة، كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. فمن ابتدع في العبادات هيئة أو زمانا أو عددا لم يشرعه الله ورسوله، فكأنما يزعم بلسان حاله أن الدين لم يكتمل، أو أن هناك خيرا لم يدلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك. وقد جمع الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله بين شرطي الإخلاص والاتباع في تفسير قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2]، فقال: "أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة".
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وتأملوا في حقيقة هذه الشروط لتزنوا بها أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
أيها المؤمنون: هذه الشروط الثلاثة (الإسلام، الإخلاص، الاتباع) ليست خيارات بديلة يختار الإنسان منها ما يشاء، بل هي منظومة عقدية وعملية متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر، وهي القاعدة التي ينطلق منها أي بناء إسلامي متين. فالإسلام هو الإطار الحاكم للعمل، والإخلاص هو الدافع الداخلي والنية الخفية، والاتباع هو الصورة الظاهرة المنضبطة بالشرع. ومن اختل عنده شرط سقط عمله؛ فمن أتى بالإسلام والإخلاص ثم تعبد لله بالبدع والمحدثات لم يقبل منه لأن عمله افتقد للصواب، ومن أدى العبادة على وجه السنة تماما في ظاهرها ولكنه كان مرائيا قاصدا ثناء الناس لم يقبل منه لافتقاده الإخلاص، ومن أتى بالإخلاص والموافقة وهو على غير ملة الإسلام لم يقبل منه لغياب الأساس.
 
وتحقيق هذه الشروط يعود على الفرد والمجتمع بآثار جليلة؛ فمتى استقر الإخلاص في قلب المسلم، تحرر من عبودية الخلق، فلم يعد يتأثر بمدحهم ولا يكترث بذمهم، مما يورثه سكينة وعزة وطمأنينة. أما تحقيق شرط الاتباع، فإنه يعصم الأمة من التفرق والتشتت خلف الخرافات والأهواء، فالمجتمع الذي يقيس أعماله بميزان السنة هو مجتمع متماسك، لا تمزقه البدع ولا تفرقه السبل، بل يجمعه منهج واحد واضح المعالم.
 
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة