- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:الإيمان وحقيقته
أنزل الله تعالى القرآن هداية للبشر، ولم يقتصر فيه على بيان الأحكام والعبادات، بل كشف للناس سننا ثابتة تحكم حركة التاريخ، وقيام الأمم، وسقوط الحضارات، والنصر والهزيمة، والعز والذل، والرخاء والشدة، وهذه السنن ليست حوادث عشوائية، ولا تغيرات تخضع للمصادفات، وإنما هي قوانين ربانية تجري على الخلق جميعا، لا تحابي أمة دون أخرى، ولا تستثني أحدا من آثارها، وإن الإيمان لا يكتمل بمجرد التصديق بهذه السنن، بل لا بد من فهمها، واستحضارها، وبناء المشاريع الفردية والمجتمعية والحضارية في ضوئها، وإذا أرادت الأمة اليوم أن تستعيد مكانتها، فلا بد أن تعود إلى فهم هذه السنن، وتتعامل معها على أنها جزء من العقيدة، لا مجرد معارف تاريخية.
السنن الإلهية من دلائل حكمة الله في تدبير الكون: إن الله سبحانه لم يخلق هذا الكون عبثا أوفوضى، وإنما أجراه وفق نظام محكم، وسنن ثابتة، تشهد بكمال حكمته وعدله. قال تعالى: {فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} [فاطر: 43]. وقال سبحانه: {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62]. وقال عز وجل:{قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [آل عمران: 137]. فهذه الآيات تدعو إلى النظر في التاريخ، لا لمجرد معرفة الأخبار، بل لاستخراج السنن التي تتكرر في حياة الأمم، حتى يتعلم المؤمن منها، ويهتدي بها في بناء مستقبله. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن}: أي: "قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين". فالتاريخ في القرآن مدرسة للعبرة، لا مجرد سجل للأحداث، والسنن الإلهية هي المفاتيح التي تفسر تلك الأحداث، وتكشف أسباب النهوض والانهيار.
سنة التغيير تبدأ من داخل الإنسان: من أعظم السنن التي قررها القرآن أن تغيير أحوال الأمم يبدأ بتغيير ما في النفوس، فلا يتغير الواقع حتى يتغير الإنسان. قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]. فهذه الآية أصل عظيم في الإصلاح؛ إذ تبين أن النهضة لا تبدأ بالمؤسسات وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالسياسة وحدها، وإنما تبدأ بإصلاح العقائد، والأخلاق، والعقول، والإرادات. فإذا تغير الإنسان من الداخل، تغير سلوكه، ثم تغيرت أسرته، ثم مجتمعه، ثم أمته. وقال سبحانه: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} [الأنفال: 53]. فالآية تبين أن دوام النعم مرتبط بالاستقامة، وأن زوالها قد يكون نتيجة تغير الناس عن منهج الله، لا مجرد تغير الظروف الخارجية. قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن تمام عدله، وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه".
سنة الأخذ بالأسباب لا تتخلف: من السنن الربانية الثابتة أن الله جعل لكل نتيجة سببا، وأمر عباده ببذل الأسباب المشروعة، مع الاعتماد عليه وحده. قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60]. وقال سبحانه:{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15]. فهاتان الآيتان تجمعان بين الإيمان بالله، والعمل بالأسباب، سواء في إعداد القوة، أو في طلب الرزق، أو في سائر شؤون الحياة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس توكلا على الله، ومع ذلك كان أكثرهم أخذا بالأسباب؛ ففي الهجرة خطط، واستعان بالدليل، وهيأ الراحلتين، واختار الطريق المناسب، وفي الغزوات أعد العدة، ونظم الصفوف، واستشار أصحابه، ثم توكل على ربه. قال ابن القيم عن الأسباب: "تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجز ينافي التوكل". وهذا الميزان الدقيق هو الذي يميز الفهم الإسلامي؛ فلا تواكل باسم التوكل، ولا اعتماد على الأسباب مع الغفلة عن مسببها، بل يجتمع الأمران في قلب المؤمن وعمله.
سنة الابتلاء تسبق التمكين: من أعظم السنن التي يغفل عنها كثير من الناس أن التمكين لا يأتي ابتداء، وإنما تسبقه مراحل من الابتلاء والتمحيص والتربية، فالله سبحانه لا يعد عباده لحمل الرسالة بالرخاء وحده، وإنما يربيهم بالشدائد، ويهذب نفوسهم بالمحن، حتى يكونوا أهلا للنصر والقيادة. قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 2-3]. وقال سبحانه: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142]. وقال عز وجل: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155]. فهذه الآيات تبين أن الابتلاء ليس دليلا على هوان العبد عند ربه، بل قد يكون مرحلة إعداد وتهذيب، وأن الصبر والثبات من أسباب التمكين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) رواه الترمذي. فإذا أدرك المسلم هذه السنة، لم ييأس عند الشدائد، ولم يستعجل الثمرة قبل نضجها، بل علم أن بناء الأمم يحتاج إلى صبر طويل، كما احتاج إليه الأنبياء وأتباعهم، وإذا ما أراد أن يمكن عبده، هيأه للتمكين بما يبتليه به؛ لأن المحن في ميزان الإيمان ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته.
سنة التداول بين الأمم: ومن السنن الربانية الثابتة أن القوة والنفوذ لا يبقيان لأمة واحدة على الدوام، وإنما تتداول الأيام بين الناس بحسب قربهم أو بعدهم عن أسباب النهوض أو الانحدار. قال تعالى بعد غزوة أحد: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140]. وقال سبحانه: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160]. فهذه السنة تعلم الأمة ألا تغتر إذا قويت، وألا تيأس إذا ضعفت؛ لأن الأحوال تتغير، ولكن تغيرها مرتبط بالأسباب التي جعلها الله. ولهذا لم يكن القرآن يفسر الهزائم تفسيرا غيبيا مجردا، بل كان يكشف أسبابها، كما قال تعالى في شأن أحد: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165]. فرد المؤمنين إلى محاسبة أنفسهم، بدل تعليق كل إخفاق على المؤامرات أو الظروف الخارجية، مع الإقرار بأن تلك العوامل قد تكون مؤثرة، لكنها لا تلغي مسؤولية الأمة عن إصلاح نفسها. وذكر ابن تيمية عن علي وغيره: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة"، والمقصود أن المعاصي والتقصير من أعظم أسباب زوال النعم ووقوع العقوبات، مع بقاء الإيمان بأن لله حكمة في كل ما يجري، وأن الأسباب لا تعمل استقلالا، وإنما بإذنه سبحانه.
فإذا ما اجتمع الإيمان الصادق مع الفهم الصحيح لسنن الله، تحولت العقيدة إلى قوة تبني الإنسان، والإنسان إلى قوة تبني الأمة، والأمة إلى شاهد على الناس، تسير في طريق النهضة وفق السنن التي أقام الله عليها هذا الكون، تحقيقا لوعده، وامتثالا لأمره، ورجاء لرضوانه في الدنيا والآخرة.

المقالات

