- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:قضايا شبابية
هكذا تحدث الله عن يوم القيامة فوصفه بهذا الوصف الذي تهتز له الجبال قبل القلوب، وتجيش به النفوس، وتتيقظ له ضمائر الغافلين: (يوم تبلى السرائر * فما له من قوة ولا ناصر)[الطارق:9].
إنه اليوم الذي تنفجر فيه ينابيع الحقائق، وتتمزق فيه ستور الخديعة.
في الدنيا، يمكن للناس أن يعيشوا بين مظاهر مصنوعة، وأقنعة موضوعة، يتستر خلفها بعضهم عن بعض، ويتجمل بها بعضهم لبعض.. لكن هناك ميقاتا ينكشف فيه الزيف، فلا يبقى فيه للمظاهر قيمة، بل تفتح خزائن القلوب، وتعرض مكنونات الصدور على رؤوس الأشهاد.
ما هي السرائر؟
السرائر: جمع سريرة، وهي ما يكتمه المرء في نفسه، ويستره عن عيون الخلق من عقائد، ونيات، ومقاصد، وأعمال خفية، بل وحتى الخواطر والعزائم.
قال الإمام ابن كثير: "يوم القيامة تختبر السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويصير السر علانية، والمكنون مشهورا".
وقال الإمام البغوي: "تستبرأ السرائر فيعرف ما فيها من الخير والشر، ومن الإيمان والكفر، والحق والباطل".
ففي يوم القيامة ينجلي ما في القلوب فيظهر منها ما كان محجوبا في الدنيا يخفيه صاحبه عن الخلق، وتفحص سرائر الكل والنيات ليتميز خبيثها من طيبها.. إنه انكشاف تام، لا تفيد فيه زخرفة الأقوال، ولا بهرجة الأفعال، فأين يذهب المرائي بريائه النافق؟ وأين يختبئ المنافق بوجهه المستعار؟
يقول ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان): "في الدنيا يعامل الله الخلق بالظواهر، ويتولى سرائرهم. أما في الآخرة، فإن الحكم والجزاء يدوران على السريرة، فمن كانت سريرته صالحة، صلح علانيته هناك، ومن كانت سريرته فاسدة، فسدت علانيته، فيا له من مشهد عظيم!".
ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "يبدي الله يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، أو شينا في الوجوه". (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)[آل عمران: 106].
السرائر سر النجاة أو الهلاك
السرائر والنوايا والمقاصد من أجل وأكبر أسباب النجاة في الدنيا والآخرة أو الهلكة فيهما:
ففي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وظهرت لهم جميعا مظاهر الموت، وأسباب الضياع، فلم يجدوا مخرجا، ولم تنفعهم قوتهم، فلجأوا إلى الله بصالح سرائرهم وخبايا أعمالهم، فتوسلوا إلى الله بأعمال رأوا أنهم أخلصوا لله فيها، فكل منهم يقول: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا".
هذه هي السريرة النقية في الدنيا؛ فلما بلاها الله في محكمة الكرب، وجدها خالصة، فتحركت الصخرة الصماء بإذن الله.
وفي المقابل، تأمل قصة الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة: عالم، ومجاهد، ومتصدق! عملوا أعظم أعمال الدين، علم وصدقة وجهاد، ومظاهر أعمالهم كانت تهتز لها الدنيا، لكن لما كان "يوم تبلى السرائر"، فحصت النيات، فإذا العالم طلب الشهرة، والمجاهد بحث عن الثناء، والمتصدق أراد السمعة. فقيل لكل واحد منهم: "إنما فعلت ليقال كذا.. وقد قيل"، ثم سحبوا على وجوههم في النار. فلم تنفعهم مظاهرهم لما فسدت مخابرهم.
خطوات لإصلاح السريرة
إن هذا المقال ليس لتخويف النفوس وتقنيطها، إنما i, دعوة لتنبيه القلوب وإيقاظها، ولفتة لاستدراك ما فات بتصحيح المقاصد وتنقية السرائر.
وإليك خطوات عملية لعلها تكون عونا لنا على إصلاح سرائرنا:
أولا: تعهد الإخلاص:
اجعل لنفسك وردا من مراقبة النية قبل كل عمل، وأثناءه، وبعده. وسل نفسك دائما: "لمن أفعل هذا الفعل، ووجه من أريد؟
ثانيا: صناعة الخبايا الصالحة
اجعل بينك وبين الله خبيئة من عمل صالح لا يعلمها أحد من خلقه؛ صلاة في جوف الليل، صدقة خفية، دمعة في خلوة، سجدة طويلة، كفالة يتيم، رعاية أرملة.. فهذه الخبايا هي حصنك يوم التغابن.
ثالثا: تطهير القلب من الغل والحسد
فصاحب السريرة النقية لا يحمل ضغينة لمسلم. وفي قصة الرجل الذي بشره نبينا صلى الله عليه وسلم بالجنة ثلاث مرات، أنه كان لا ينام وفي قلبه غل على أحد من المسلمين.
رابعا: قراءة سير الأنقياء
فإنه مما يحفز النفس، ويعلي الهمة، ويحدو بالإنسان للتشبه بهم:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .. .. إن التشبه بالرجال فلاح
خامسا: الدعاء
أن يطهر الله قلبك، وينقيه، من أي دغل لإخوانه المسلمين، كما قال الله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)[الحشر:10].
فاللهم كما زينت ظواهرنا بالإسلام، نسألك أن تزين سرائرنا بالإخلاص واليقين.
اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك، واجعل سريرتنا خيرا من علانيتنا. اللهم آمين.

المقالات

