- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:قضايا شبابية
في سير السلف الصالح مشاعل نور تبدد ظلمات المادية المعاصرة، وإن من أعجب هذه السير وأعمقها دلالة؛ قصة صحابي جليل، خفي في الأرض، مشهور في السماء، لم يكن ذا مال ولا جاه، ولا نسب رفيع ولا حسب، بل كان فقيرا، معوزا، زاهدا في الدنيا، زاهدة الدنيا فيه. إنه الصحابي الأنصاري الجليل "جليبيب" رضي الله عنه.
تقف هذه القصة شاهدا عدلا على عظمة الإسلام في صياغة الإنسان، وتأصيل قيم العدالة والمساواة، وتقديم معيار الدين والتقوى على اعتبارات الطين والشهوة.
من الجهالة إلى الشهادة
لم يكن جليبيب من مشاهير الصحابة، ولا من المعروفين المعدودين منهم، بل كان رضي الله عنه شابا عاديا من شباب الأنصار، قليل الحظ من الجمال، وربما كان إلى الدمامة أقرب، قليل الحظ من المال، بل كان فقيرا مدقعا يعيش على هامش الحياة الاجتماعية بمقاييس أهل الدنيا.. لكن عين النبي الرحيمة لم تغفل عنه.
كان النبي يلاحظ جليبيبا ـ كما كان يفعل مع كل أصحابه ـ فعلم من صدق إيمانه، وطهارة قلبه، وشدة تقواه ما علم؛ فأراد أن يكرمه ويعلي شأنه، وآنسه يوما فسأله لم لم تتزوج؟ فشكا من ضعف حاله وقلة ماله.. فسعى له النبي بنفسه ليزوجه.. فخطب إلى رجل من الأنصار ابنته، فقال الأنصاري: نعم ونعمة عين يا رسول الله! فقال: "إني لست أريدها لنفسي"، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: "لجليبيب".
فجع الأب، فهو يعلم حال جليبيب مالا وجمالا، واستأذن النبي أن يستشير زوجته أم البنية، فذهب إليها وأخبرها، فقالت: ألجليبيب؟! لا لعمر الله لا نزوجه.
فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم، قالت الفتاة من خدرها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ادفعوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لن يضيعني..
فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: شأنك بها.. فزوجها جليبيبا، ودعا لها بهذا الدعاء العجيب لموقفها وإيمانها ورضاها وتسليمها فقال: "اللهم صب عليها الخير صبا صبا، ولا تجعل عيشها كدا كدا".
فتزوجها جليبيب، وببركة دعاء النبي لهما، فتحت لهما أبواب الرزق.
هذا مني وأنا منه
لم تطل أيام هذا الزواج المبارك؛ حتى نادى منادي الجهاد، فانطلق جليبيب إلى الجهاد مقبلا غير مدبر. وفي نهاية المعركة، تفقد النبي أصحابه بعد النصر، فقال: "هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. قال: "ولكني أفقد جليبيبا". فطلبوه، فوجدوه صريعا حول سبعة من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه. "ضربهم فأثخنهم ضربا حتى قتلهم، وأثخنوه حتى قتل".. فوقف عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "قتل سبعة ثم قتلوه؟! هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه"، ثم حمله النبي صلى الله عليه وسلم على ساعديه، ولم يكن له سرير إلا ساعدا رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى حفر له ووسد في قبره. [حديث جليبيب رواه الإمام مسلم في صحيحه].
دروس تربوية وعبر
تزخر قصة جليبيب بروافد تربوية وأحكام شرعية، ينبغي للمسلم التأمل فيها، ومن أبرزها:
أولا: معيار الكفاءة في الزواج
أكدت القصة أن الكفاءة الحقيقية في النكاح هي كفاءة الدين والخلق، وليست فقط كفاءة المال والوجاهة والجمال؛ لقوله: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[رواه الترمذي وابن ماجه].
ثانيا: الاستسلام المطلق للوحيين
تتجلى في موقف الفتاة الأنصارية أرقى صور العبودية والانقياد لشرع الله، والتسليم لأمره وأمر رسوله، وهو التطبيق العملي لقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}[الأحزاب:36].
ثالثا: بركة طاعة الرسول والاستجابة لأمره
ففي طاعة الله ورسوله الخير كله، والبركة كلها، والفوز في الدنيا والآخرة.. فإن الرغد والبركة التي عاشت فيها زوجة جليبيب بعد موته "حتى كانت أنفق أيم في المدينة"، إنما كانت ثمرة مباشرة لامتثالها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوته المستجابة لها، فالطاعة مفتاح لكل خير دنيوي وأخروي (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)[الأحزاب:71].
رابعا: عظمة التربية النبوية
تظهر القصة جانبا عظيما من جوانب التربية النبوية لأصحابه، ورحمة النبي صلوات ربي وسلامه عليه بأفراد المجتمع المهمشين؛ حيث تولى أمر خطبة جليبيب بنفسه، وتفقده في ساحة المعركة، وحمله بين يديه الشريفتين. وفيه درس بليغ للدعاة والمصلحين في جبر خواطر الضعفاء وبناء ثقتهم بأنفسهم.
المنافع والمكاسب للمسلم المعاصر
إن دراسة هذه السيرة العطرة تورث المسلم منافع عملية في واقعنا المعاصر، منها:
. التخلص من عقدة المظاهر:
فكم من إنسان غني ذي مال لم يبلغ ما بلغ هذا الفقير المسكين، وهو درس لكل شاب مسلم ألا يكون همه الأول المظاهر فيطلبها لنفسه ويجعلها مركز فكره، أو أن يجعلها ميزانا له فيزن الناس بمركوبهم، أو ملبسهم، أو أنسابهم، بل بتقواهم وعملهم الصالح.
. الرضا والتسليم لأقدار الله:
فيدرك العبد أن الحرمان الدنيوي (كقلة النصيب من المال، أو الجمال، أو مباهج الحياة) ليس دليلا على هوان العبد عند ربه، وكل ما لم يكن للعبد سعي واختيار فيه، فلا تكليف عليه به، ولا مساءلة عليه، كطول أو قصر، أو بياض أو سواد، أو ملاحة أو دمامة، أو ذكورة أو أنوثة. وإنما يحاسب الإنسان على الكسب والعمل.
.الأصل بناء البيوت على التقوى:
فالقصة تقدم نموذجا للشباب والفتيات في اختيار شريك الحياة بناء على الثوابت الإيمانية، لا على مجرد المظاهر المادية مع الخلو من الدين والتقوى.
. إحياء روح التضحية والجهاد:
لقد كان جليبيب حديث عهد بعرس عندما نادى منادي الجهاد، فما تعلل ولا تأخر، وإنما أقبل على التضحية في سبيل دينه، مستصغرا الدنيا وحطامها في سبيل الفوز برضا الله وبأعلى منازل الجنان، وهذا درس عظيم لشباب المسلمين، ليعلموا أن ما عند الله خير وأبقى.
رحل الرجل وبقي الأثر
لقد غاب جليبيب عن دنيانا، ودفن جسده الطاهر في تراب المدينة، لكن ذكره بقي حيا غضا طريا في سجل الخالدين. لم يترك قلاعا ولا حصونا، ولا مالا ولا كنوزا، ولكنه ترك منهجا عمليا يثبت أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قوله صلى الله عليه وسلما: "هذا مني وأنا منه".
فما أعظمها من شهادة، وما أغلاه من وسام!
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا صدق الانقياد، وحسن السيرة، واللحوق بركب الصالحين، والحمد لله رب العالمين.

المقالات

