أكرمكم عند الله أتقاكم

0 0

في آخر الزمان تتبدل بعض نواميس الكون، وتخرج الشمس من مغربها، وقبل ذلك تختل موازين الناس فيؤمن الخائن، ويخون الأمين، وينطق الرويبضة ـ وهو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام أحمد وابن ماجة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة).
وفي حديث حذيفة في رفع الأمانة قال: "... حتى يقال للرجل: ما أجلده؟ ما أظرفه؟ ما أعقله؟ وما في قلبه حبة خردل من إيمان".

قد يتعجب الإنسان من هذا الاختلال العجيب، ويتساءل: لماذا يحدث هذا؟ لماذا يصدق الناس الإنسان الكاذب، ويكذبون الصادق، ويأتمنون الخائن، ويخونون الأمين.. ويقدمون "الرويبضة"، وهو القاعد الذي لا يسعى إلى المعالي، دنيء الهمة عن اكتساب المكارم، فيسمع له الناس ويطيعونه في أمر دينهم ودنياهم؟

اختلال الموازين
إن هذا الاختلال في الموازين إنما سببه في الحقيقة فساد التصور، واعتلال الفهم، والاختلال في معرفة أصول الإيمان وأساسيات الدين، والجهل بمقومات الرفعة عند الله.. فلذلك اختلفت موازين الناس عن ميزان الله.
إن ميزان الرفعة عند الله إنما هو التقوى "الإيمان، والعمل الصالح" (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ۚ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ۚ إن الله عليم خبير)[الحجرات:13].
وكما قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع (يا أيها الناس إن ربكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[الحلية، وشعب الإيمان، وهو صحيح].

فميزان الله لا ينظر إلى لون الإنسان، ولا جنسه، ولا نسبه. وقيمة الإنسان عند الله لا ترجع إلى مال، أو جاه، أو منصب، أو سلطان، أو مكانة اجتماعية. هذا الميزان الإلهي لا يحابي.
وأما موازين الناس فموازين معكوسة، جعلت المظهرية والمظهر هي الميزان، وأهملت تماما الإيمان والتقوى.. قدر الإنسان عندهم بقدر ما يملك من مال، وقيمته في نوع سيارته، ونوع وظيفته، وشكل ثوبه، وثمن نعله
قيمة المرء عندهم بين ثوب .. .. باهر لونه والحذاء
موازين مختلة، وقواعد وأحكام معتلة، قلبت الحقائق، وأخسرت الميزان، فرفعت من حقه الوضع ممن لا قيمة له، ولا علم عنده، ووضعت الكريم ومن حقه الرفعة من العلماء والحكماء وأصحاب الهمم المخلصين، وحاملي هم الأمة والدين.

النبي يصحح المفاهيم
ولقد كان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه كثيرا ما يسعى لبيان مفهوم القيم لأصحابه ـ ولنا من بعدهم ـ لنصحح نظرتنا، ونقوم موازيننا؛ لأن اختلالها فيه اختلال نظام الحياة وفساد المجتمع.
روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد قال: (مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا).

وهذا المنطوق في هذا الحديث هو نفسه عين ما يفهم من حديث مسلم عن أبي هريرة في قصة الثلاثة الذين تكلموا في المهد وفيه.. (وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه! اللهم! اجعل ابني مثل هذا. فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه، فقال: اللهم! لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها. قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها.. فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها.. فهناك تراجعا الحديث. فقالت: حلقى! مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت، سرقت.. فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟!! قال: إن ذاك الرجل كان جبارا؛ فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن. وسرقت، ولم تسرق. فقلت: اللهم اجعلني مثلها).

لقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يلفت الأنظار إلى أن القضية ليست بجمال الصورة وحسن الهيئة، ولا بكثرة المال، وزينة الثوب، وإنما بالإيمان الذي يملأ القلب ويظهر أثره في العمل.

إن من عباد الله من لا تشرئب له الأعناق، ولا يسترعي الانتباه، ولكن يجري الله علي يديه خيرا كثيرا: (رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)[الترمذي].
وإن منهم السمين العظيم الذي لا يزن عند الله جناح بعوضة، وإن أعجب الناس في الدنيا منظره، وبهرهم مظهره، وأعجبهم زيه، وأنعشهم عطره.

إن اللباس الحسن والترجل والتطيب من الأمور المشروعة، ومن زينة الحياة لكنها ليست الأصل، ولا هي المقياس في الحكم على الناس.. فلا يغرنك حسن المنظر وحسن الهيئة وجمال الهندام.. فكم ممن ارتداها وهو يحمل بينها نخاعا ضامرا، وفكرا بائرا، وقلبا حائرا، فهل يقدم مثل ذلك؟
رب ذي مظهر توارى .. .. خلف أثوابه فؤاد خؤون

لقد مات ابن سلول يوم مات وهو معدود من سادات قومه وأشرافهم، فنهي الله نبيه أن يصلي عليه ولا على أمثاله.. فقال: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ۖ إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)[التوبة:84].
وماتت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، فاستصغر الناس شأنها فدفنوها من الليل ولم يخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فلما افتقدها سأل عنها فقالوا: ماتت. فقال: (أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: دلوني على قبرها)، فدلوه فصلى عليها.

الاكتفاء بالظاهر حيف ونكسة
إن الاكتفاء في المقاييس والموازين بالمظاهر، دون النظر إلى الإيمان والتقوى حيف ونكسة.
ماذا لو خرج العالم حافيا بين الناس لفقره؟ هل نقص علمه وقدره؟
ماذا لو انتعل الغبي الجاهل أحسن النعال؟ أيصبح عالما فقيها؟
ماذا لو لبس المعتوه أجمل الثياب وأحسنها.. أيصبح ذا لب؟
إن كان لبس الفتى شرفا له .. .. فما السيف إلا غمده والحمائل

والآخرة كذلك
وإذا كان هذا هو الميزان في الدنيا، فإنه كذلك الميزان عند الله يوم القيامة، (يوم تبلى السرائر)، ويبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، ولا ينجو إلا صاحب القلب السليم: (يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم)[الشعراء:88ـ89]..

فالعبرة كل العبرة في الدنيا والآخرة بصلاح القلوب والأعمال، لا بالصور والأموال، ولا بالمظاهر والأشكال، (إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)[رواه مسلم].
ويبقى القانون العام في قوله سبحانه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ۚ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ۚ إن الله عليم خبير)[الحجرات:13].

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة