قصة جريج.. سنة الابتلاء، وكرامات الأولياء

0 0

روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا عن الثلاثة الذين تحدثوا في المهد، فذكر منهم عيسى بن مريم، ثم ذكر صاحب جريج، يعني الطفل الذي كان في قصة رجل عابد من بني إسرائيل اسمه جريج..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه:
(كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يا رب، أمي وصلاتي! فأقبل على صلاته، فانصرفت.
فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يا رب، أمي وصلاتي! فأقبل على صلاته، فانصرفت.
فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يا رب، أمي وصلاتي! فأقبل على صلاته.
فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات.
فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغي يضرب بها المثل في الحسن، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم.
فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت. فلما ولدت قالت: هو من جريج.
فأتوه فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه. فقال؟ ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك.
فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي. فصلى، فلما انصرف أتى الصبي، فطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟
قال: فلان الراعي.
أقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب.
قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت.. ففعلوا).

هذه قصة من القصص النبوي، وهي من القصص الحق كقصص القرآن، فكلاهما وحي، وقصصه أحسن القصص، لا يحكى للتفكه والتسلية وتضييع الأوقات والأعمار، وإنما لتؤخذ منه الدروس، وتستلهم منه الفوائد والعبر..

فوائد القصة
لقد كان في قصة جريج هذه كثير من الدروس والعبر المستفادة.. فمن ذلك:
أولا: بيان فضل بر الوالدين وسوء عاقبة العقوق
تدل القصة على عظم حق الوالدين، وأن برهما من أجل القربات، وأن العقوق من أعظم الذنوب والموبقات.

ثانيا: الانصراف عن طاعة الوالدين ـ وهو واجب ـ إلى عبادة مستحبة هو نوع من العقوق يغفل البعض عنه
ولذلك فإن معرفة مراتب الأعمال من أشرف المعارف، وهو يوفر على العبد كثيرا من الجهد، ويبلغه العظيم من الأجر، ويعطي البصيرة في تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير.

ثالثا: دعوة الوالد على ولده مستجابة
فليحذر الأبناء من التعرض لدعوة والديهم عليهم، وليحذر الآباء كذلك من الدعاء على أبنائهم.

رابعا: سعي أهل الفجور في أذى الصالحين والمصلحين:
وهو أمر لم يسلم منه الصالحون في أي زمن؛ فلينتبه لها أهل الإيمان، وليحذر الناس من سرعة التصديق والاتهام.
فإن أكثر ما يرمى به أهل الدين والإيمان هو إفك وبهتان، من صنع ومكر أهل الكفر والظلم والعصيان.

خامسا: أن الوقوع في المعاصي والفواحش يسقط الهيبة، ويجرئ الخلق على العبد
ولذلك لما سمع الناس ما قالت البغي، هدموا صومعة عابدهم، وأقبلوا عليه يضربونه ـ حتى قبل أن يتأكدوا من صدق ذلك أو كذبه.

سادسا: أن النظر إلى وجوه أهل المعاصي والفجور عقوبة
فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ نعوذ بالله من الفتن.

سابعا: سد أبواب الفتن مانع عظيم من الوقوع فيها
وغض البصر ابتداء أيسر من رده بعد إطلاقه؛ ولذلك "لما تعرضت له المرأة، لم يلتفت إليها".

ثامنا: حفظ الله لأوليائه ودفاعه عنهم
قال تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور.) [الحج: 38]، ولو اقتضى ذلك أن يخرق لهم العادات، خرقها لهم؛ فإن كلام الصبي في المهد من الخوارق.

تاسعا: أثر العبادات والأعمال الصالحات في النجاة من الشدائد والملمات
فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، وتعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.

عاشرا: فضل الاستعانة بالصلاة والدعاء عند نزول الكرب والبلاء
قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)[البقرة:45]،
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود عن حذيفة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).

حادي عشر: إثبات كرامات الأولياء
وهو من معتقد أهل السنة والجماعة، رضي الله عنهم أجمعين.
هذه بعض الفوائد، ولو تأمل المتأمل لوجد أكثر من ذلك، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.. 

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة