فخ المقارنات.. حين يسرق راحة القلب

0 0

 قد لا يحسد الإنسان أحدا، ولا يتمنى زوال نعمة عن غيره، ومع ذلك يعيش في ضيق كلما رأى نجاحا أو نعمة عند شخص آخر. يفتح هاتفه فيرى صديقا اشترى منزلا جديدا، ثم ينتقل إلى صورة زميل يحتفل بترقية، ثم يشاهد رحلة عائلية فاخرة، ثم يسمع عن شخص أصغر منه سنا وقد سبق إلى إنجاز كان يحلم به؛ فيغلق هاتفه، لكنه لا يستطيع إغلاق المقارنة التي بدأت تعمل في داخله.ماذا ينقصني؟ لماذا لم أصل؟ لماذا تأخر رزقي؟ لماذا تبدو حياة الآخرين أكثر اكتمالا؟ هنا تبدأ المشكلة.

فالمقارنة في ذاتها ليست شرا؛ لأنها قد تدفع الإنسان إلى التعلم والاقتداء والمنافسة في الخير. لكن حين تصبح عادة يومية، ومقياسا ثابتا لتقويم الذات، يتحول النظر إلى حياة الآخرين إلى استنزاف للقلب، ويصبح الإنسان أسيرا لما عند الناس، لا لما يستطيع أن يصنعه في حياته.

والأخطر أن المقارنة المستمرة قد تفعل بالقلب شيئا أعمق من مجرد إفساد المزاج؛ إنها قد تضعف شعوره بنعم الله عليه، وتفتح أبوابا من السخط والحسد والهم، وتجعله يرى نقصه أكثر مما يرى فضل الله.
حين تتحول حياة الآخرين إلى مرآة
لكل إنسان مساره الخاص، بقدراته وظروفه وأرزاقه وابتلاءاته وتوقيته الذي لا يشبه غيره. لكن المقارنة المستمرة تلغي هذه الخصوصية كلها، وتجعل الإنسان يقيس نفسه بمقاييس الآخرين.

يقارن راتبه براتب زميله، وبيته ببيت قريبه، وأبناءه بأبناء جاره، ومظهره بمظهر غيره، وعدد متابعيه بعدد متابعي شخص آخر، وهكذا تتبدل البوصلة: بدل أن يسأل الإنسان: كيف أكون اليوم أفضل مما كنت عليه أمس؟، يصبح سؤاله: كيف أصبحت بالنسبة إلى فلان؟.
والفرق بين السؤالين كبير.
الأول يقود إلى النمو، والثاني قد يقود إلى الاستنزاف؛ لأنك مهما تقدمت ستجد من سبقك في جانب من الجوانب. فإذا جعلت الآخرين معيارك الوحيد، فلن تصل إلى لحظة تشعر فيها أنك كاف.

وقد ينجح الإنسان بالفعل، لكنه لا يشعر بنجاحه؛ لأن عينه تبحث دائما عن شخص أكثر نجاحا منه.

وسائل التواصل.. حين تصبح المقارنة متاحة طوال اليوم
لم تكن المقارنة في الماضي غائبة، لكنها كانت محدودة بما يراه الإنسان في محيطه. أما اليوم فقد أصبح في مقدور الإنسان أن يدخل عشرات البيوت، ويرى عشرات النجاحات، ويتابع مئات الأشخاص، خلال دقائق قليلة.
والإشكال أن ما يظهر على الشاشة ليس الحياة كاملة، وإنما جانب منتقى منها.
نرى الرحلة ولا نرى التعب، ونرى الابتسامة ولا نرى القلق، ونرى البيت الجميل ولا نعرف الديون أو المشكلات التي وراءه، ونرى لحظة النجاح ولا نرى سنوات المحاولة والإخفاق.

ثم نضع هذه اللقطات اللامعة بجوار حياتنا بكل تفاصيلها الثقيلة، ونصدر حكما ظالما على أنفسنا.

إنها مقارنة غير عادلة من الأساس: نقارن حياتنا الكاملة باللحظات المنتقاة من حياة الآخرين.

ولذلك فإن من الحكمة ألا يسمح الإنسان لما يراه أن يعيد تعريف قيمة حياته. فما يظهر للعين ليس بالضرورة كل الحقيقة.

من المقارنة إلى الحسد..
ليست كل مقارنة حسدا، وهذه نقطة مهمة ينبغي ألا تختلط.
أن يرى الإنسان نعمة عند غيره فيقول: *ما شاء الله لا قوة إلا، بالله اللهم بارك، فيتمنى أن يكون عنده مثلها، من غير أن يتمنى زوالها عنه، فهذا من الغبطة، وقد جاء في السنة ما يدل على مشروعيتها في مواضع الخير. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين..." ، وذكر من أوتي المال فأنفقه في الحق، ومن أوتي الحكمة فعمل بها وعلمها؛ متفق عليه.

أما الحسد فهو أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن غيره، وهو من أمراض القلوب التي حذر منها الشرع. وقد بين العلماء أن الحسد يضر صاحبه قبل غيره؛ لأنه يجمع له الذنب، والهم، وسوء الأدب مع قضاء الله وقدره.

ولهذا جاءت الاستعاذة من الحسد في سورة الفلق: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق: 5].
لكن الخطر أن الإدمان على المقارنة قد يمهد الطريق إلى الحسد.
ففي البداية يقول الإنسان: أتمنى أن يكون عندي مثل ما عنده. ثم يبدأ بالبحث عن عيوبه حتى يخفف من شعوره بالنقص. ثم يضيق إذا سمع خبر نجاحه. ثم يشعر بشيء من الارتياح إذا تعثر.
وهنا ينبغي أن يتوقف الإنسان؛ فقد انتقلت المقارنة من الرغبة في التطور إلى اضطراب في سلامة الصدر.

المشكلة ليست في نعمة الآخرين
من أهم ما يحتاج القلب إلى فهمه أن نعمة غيرك ليست خصما من رصيدك.

حين ينجح زميلك، لا يعني ذلك أنك فاشل أو لم تنجح. وحين يشتري قريبك بيتا واسعا، لم يضق بيتك بسبب ذلك. وحين يكرم شخص في عمله، لم تنتقص قيمتك.

لكن القلب الذي أدمن المقارنة يتعامل مع الحياة كما لو أن الأرزاق مسابقة محدودة المقاعد: إذا حصل غيري على شيء، فلا بد أن أكون قد حرمت منه.

وهذا التصور يفسد الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32]، ثم يوجه إلى البديل الصحيح: {واسألوا الله من فضله}.

إنها نقلة تربوية عميقة: لا تجعل عينيك معلقتين بما في يد غيرك، بل ارفع حاجتك إلى من بيده خزائن كل شيء.

حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية نعمته
ربما كان من أخطر آثار المقارنة أنها لا تضيف إلى الإنسان شعورا جديدا بالحرمان، لكنها ترسخ لديه شعورا بالحرمان من أشياء هو يملكها بالفعل.

قد تكون لديه زوجة صالحة محبة، أبناء بررة، صحة، أمن، عمل، أصدقاء، وقدر من العلم والخبرة، لكنه لا يشعر بشيء من ذلك لأنه يفكر دائما فيما ينقصه.

وقد يعيش إنسان في نعم كثيرة، ثم يفسد عليه نعيمه سؤال واحد: لماذا ليس عندي ما عند فلان؟
ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه النظر في أمور الدنيا إلى من هو دون الإنسان، فقال: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" [متفق عليه].
فالحديث لا يدعو إلى قتل الطموح، ولا إلى الاستسلام للواقع، وإنما يعيد للإنسان عدالة النظر.
يمكنك أن تطمح إلى بيت أفضل، وأن تسعى إلى دخل أكبر، وأن تطور مهاراتك، وأن تتمنى نجاحا أكبر، لكن لا تجعل ما لم تحصل عليه سببا لاحتقار ما حصلت عليه.

القلب السليم لا يعني قلبا بلا طموح
قد يظن بعض الناس أن سلامة القلب تعني ألا يتمنى الإنسان أن يكون أفضل، وهذا غير صحيح.
الإسلام لا يحارب الطموح، وإنما يطهره من المقاصد الفاسدة.
هناك إنسان يرى المتفوق فيقول: أريد أن أتعلم منه، ويرى صاحب المال فيقول: أسأل الله أن يرزقني لأستعمل مالي في الخير، ويرى صاحب المكانة فيقول: أريد أن أصل إلى ما ينفع الناس.
وهناك إنسان يرى الشيء نفسه فيقول: لماذا هو وليس أنا؟. الصورة واحدة، لكن القلب مختلف.
الأول يحول المقارنة إلى وقود يحركه إلى المعالي، والثاني يحولها إلى نار تحرقه.
ومن هنا كانت الغبطة أرقى من الحسد؛ لأنها تريد الخير للنفس دون أن تتمنى زواله عن الآخرين.

كيف نخرج من سجن المقارنة؟
أول العلاج أن يكتشف الإنسان لحظة المقارنة نفسها.
حين تجد نفسك تقول: لماذا فلان أفضل مني؟، توقف قليلا واسأل: ما الذي أريده تحديدا؟
هل أريد المال؟ إذن اسع إليه بطريق مشروع.
هل أريد العلم؟ إذن ادرس وتعلم، وزاحم طلبة العلم.
هل أريد النجاح المهني؟ إذن ضع خطة، طور نفسك واتعب قليلا.
هل أريد حياة أسرية أفضل؟ إذن أصلح ما تستطيع إصلاحه.
بهذا تتحول المقارنة من سؤال مؤلم إلى هدف عملي.
ثم تعلم أن تقارن نفسك بنفسك.
اسأل: هل أنا اليوم أكثر علما من العام الماضي؟ هل أصبحت عبادتي أحسن؟ هل تحسن خلقي؟ هل صرت أكثر ضبطا لوقتي؟ هل أصلحت علاقة كانت مضطربة؟ هل تخلصت من عادة سيئة؟

هذه المقارنة وحدها يمكن أن تمنح الإنسان معيارا أكثر عدلا؛ لأنها تقيس رحلته هو، لا رحلة شخص آخر.

ثم يأتي الشكر
ليس المقصود بالشكر أن يتوقف الإنسان عن طلب المزيد، وإنما أن يعترف أولا بما عنده. فالإنسان الذي لا يرى نعمة الله عليه لن يشبعه المزيد منها؛ لأنه سيبحث دائما عما عند الآخرين.

ومن المفيد كذلك أن يقلل الإنسان من مصادر المقارنة التي تستنزفه. ليس كل ما تستطيع متابعته يستحق أن تتابعه، وليس كل حساب ينبغي أن يبقى حاضرا في يومك. أحيانا يكون إغلاق نافذة واحدة كافيا لاستعادة قدر كبير من السكينة.

سلامة القلب ليست أن تختفي نعم الآخرين
قد لا تختفي من حولك النعم، ولن يتوقف الناس عن النجاح، ولن تتوقف الصور عن الظهور، ولن يصبح العالم متساويا في المال، والجمال، والمكانة، والفرص.
لكن يمكنك أن تغير علاقتك بما تراه.
يمكنك أن ترى نجاح غيرك دون أن تعتبره فشلا لك، وأن ترى جماله دون أن تحتقر نفسك، وأن ترى سعته دون أن تسخط على رزقك، وأن تفرح له دون أن تشعر أنك خسرت شيئا.
وهنا يظهر معنى سلامة القلب.
وقد وصف الله أهل الجنة بقوله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} [الأعراف: 43]. فسلامة الصدر ليست أمرا هامشيا في حياة المؤمن، بل هي من النعم العظيمة التي تجعل الإنسان قادرا على العيش مع الناس دون أن يحمل عليهم أحقادا خفية.

وقد بين أهل العلم أن علاج الحسد لا يكون بمجرد تمني زوال الشعور، بل بمجاهدة النفس والعلم والعمل، ومن ذلك أن يتعمد الإنسان خلاف ما يدفعه إليه الحسد من الإساءة أو الانتقاص، وأن يدعو لمن يغبطه بالخير.

وهكذا يتحول القلب شيئا فشيئا من المنافسة المرهقة إلى المحبة، ومن مراقبة الآخرين إلى إصلاح النفس، ومن سؤال: ماذا عندهم؟ إلى سؤال أكثر نفعا: ماذا يمكنني أن أفعل بما أعطاني الله؟.

فالحياة ليست لوحة يتعين أن يتطابق فيها نصيبك مع نصيب غيرك.

الله أعطى هذا شيئا، وأعطى ذاك شيئا، وفتح لهذا بابا، وفتح لذاك بابا، وقد يحرم الإنسان شيئا لأنه يدخر له ما هو أصلح، أو لأنه يريد أن يربيه بالصبر، أو لأن النعمة التي يطلبها ليست خيرا له كما يظن.

ولذلك فإن راحة القلب لا تأتي من أن تحصل على كل ما عند الآخرين، وإنما من أن تعرف كيف تنظر إلى ما عندك، وكيف تطلب ما ينقصك، وكيف تفرح بما عند غيرك دون أن تخسر سلامك الداخلي.

وحين يتوقف الإنسان عن جعل حياة الآخرين مرآة يقيس عليها قيمته، يبدأ في رؤية نفسه بوضوح أكبر، ويرى نعم الله عليه بعيون أكثر إنصافا، ويستطيع أن يطمح دون حسد، وينافس دون حقد، ويسعى إلى الأفضل دون أن يكره أن يكون الأفضل عند غيره.

وهذه هي النقطة التي ينتهي عندها إدمان المقارنات، ويبدأ شيء أجمل: أن يعيش الإنسان حياته هو بدل أن يقضيها في مراقبة حياة الآخرين، وقد قيل: من راقب الناس مات هما.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة