الحمد لله شِعار المؤمنين في السراء والضراء

0 6

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل البركات، وبحكمته يجري القضاء والقدر، نحمده سبحانه على ما أعطى، ونحمده على ما منع، ونحمده على ما يفعل ويقدر، فهو المحمود حقا، لا يحصى ثناء عليه، وهو سبحانه كما أثنى على نفسه..
إن حمد الله عبادة جليلة، وذكر عظيم، وهو شعار أهل الجنة عند دخولهم دار الكرامة، حيث يقولون: {الحمد لله الذي هدانا لهذا}(الأعراف:43)، ويقولون: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}(فاطر:34).
ومن فضل الله ورحمته بعباده أن جعل أبواب الذكر كثيرة ويسيرة، وأجوره عظيمة، فالحمد لله كلمة يجري بها اللسان تسبيحا وثناء، ويصدقها القلب يقينا ورضا، فينال بها العبد الأجر الجزيل من الكريم المنان الذي يعطي بلا حساب.. ونحن في أمس الحاجة إلى هذه العبادة السهلة العظيمة، فهي زاد إلى الآخرة، ووسيلة إلى بلوغ دار السلام، ونجاة من الهموم والأحزان، فكم من قلب ضاق فانشرح بالحمد، وكم من نفس أثقلتها الابتلاءات فوجدت في حمد الله والرضا راحة وسكينة، وكم من عبد غفل عن نعم الله فإذا ذكرها وحمده عليها ازداد قربا وطمأنينة.. فالحمد عبادة يسيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، ترفع المؤمن درجات، وتجعله يعيش حياة ملؤها الرضا والسكينة..

وقد حمد الله تعالى نفسه في آيات كثيرة، وأمرنا بحمده سبحانه، فالحمد لله عبادة عظيمة، يرفع الدرجات، ويكفر السيئات، ويزيد النعم، ويجلب الطمأنينة، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يحمد الله في كل وقت وحين، ليعلمنا أن الحمد ملازم للمؤمن في سرائه وضرائه، وفي فرحه وحزنه، فهو تعبير عن الإقرار بنعم الله وشكرها، والإيمان بقضاء الله وقدره والتسليم والرضا به..
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "الحمد لله كلمة رضيها الله لنفسه، وأحبها، وأرضى بها أهل الجنة." وقال ابن القيم: "الحمد لله يتضمن الشكر والثناء، فهو رأس الشكر، وما لم يحمد الله العبد لم يكن من الشاكرين". وقال الحسن البصري: "إن الله أنعم على قوم فلم يشكروه، فصار عليهم وبالا، وأنعم على آخرين فحمدوه، فكان لهم نعمة وبركة"..
فهذه المعاني الجليلة والأقوال المأثورة تؤكد أن "الحمد لله" عبادة جليلة، وهو ليس مجرد لفظ يقال باللسان، بل يجمع بين عمل القلب والجوارح، وهو عنوان الرضا والتسليم، ودليل الإيمان الصادق، وبالحمد تدوم النعم الموجودة، وتستجلب النعم المفقودة، وبه ترفع الدرجات وتنال الخيرات، ويزداد العبد قربا من ربه وطمأنينة في قلبه، ويجد راحة وسكينة في السراء والضراء، وفي العطاء والمنع، وفي الفرح والحزن، وهو سبيل المؤمن إلى رضا الله عز وجل، ووسيلته إلى بلوغ جنته..

أيها المؤمنون: إن الحمد لله كلمة عظيمة تملأ ميزان العبد يوم القيامة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله) رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلمك(كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) رواه البخاري.
وأعظم سورة في القرآن، وهي الفاتحة، ابتدئت بهذه الكلمة الجليلة: {الحمد لله رب العالمين}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي) رواه مسلم.
وقد ورد فضل قول "الحمد لله" في كثير من الأحاديث النبوية، دلالة على عظم شأنه وعلو مكانته، قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا جنتكم (وقايتكم) من النار، قولوا: سبحان الله، و الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات (أي يتقدمن صاحبهن)، وهن الباقيات الصالحات) رواه النسائي.
بل إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج: (يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان (أرض مستوية متساوية)، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) رواه الترمذي، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له به نخلة في الجنة) رواه ابن حبان.
فاستكثروا يا عباد الله من هذا الغراس المبارك، فما أسهل القول، وما أعظم الجزاء! كلمات يسيرة على اللسان، ثقيلة في الميزان، تغرس لكم نخلا وشجرا في الجنة، وتكون سببا لرضا الله عنكم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة) رواه الطبراني، وقال أيضا: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.
بل إن المؤمن في أشد اللحظات، حين تخرج روحه من بين جنبيه، يبقى لسانه وقلبه عامرين بالحمد لله، يحمده على نعمة الحياة التي أطاع الله فيها، ويحمده على الخروج من ضيق الدنيا إلى رحاب الآخرة، ويحمده على قضائه وقدره، فهو يحمد الله في كل حال، وفي كل وقت، ليكون الحمد شعار حياته، وخاتمة عمله، قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل) رواه النسائي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

إن المؤمن الحق يحمد ربه في السراء شكرا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ويستعمل هذه النعم في طاعة الله، ويحمده في الابتلاء والضراء صبرا ورضا بقضائه وقدره، "فالحمد لله" شعاره ولسان حاله ومقاله في كل حال..
واعلموا رحمكم الله أن قولنا "الحمد لله" مع كونه شعارا للمؤمن في حياته كلها، فإنه يسن ويستحب في مواطن كثيرة من حياة المسلم ومن ذلك: عند القيام من النوم، وفي أذكار الصباح والمساء، وعند رؤية المبتلى، وعند الركوع في الصلاة، وعند العطاس، وفي أدبار الصلوات، وعند لبس الجديد، وبعد الطعام والشراب، وعند الرجوع من الحج أو العمرة، بل في كل موقف يتجدد فيه فضل الله ونعمه أو يستشعر فيه قضاؤه..

فيا عباد الله: اجعلوا حمد الله رفيقكم في كل لحظة، لا يغيب عن قلوبكم ولا ألسنتكم، فبه ترفع الدرجات وتكثر الحسنات، وبه تدوم النعم الموجودة وتستجلب النعم المفقودة، ويزول الهم ويطمئن القلب، ويصل العبد إلى رضا الله عز وجل..
واعلموا أن في عطاء الله نعمة نعلمها ونراها، وفي منعه نعمة نجهلها ولا ندركها، فقد يمنع عنك ما تحب رحمة بك، أو يصرف عنك ما تتمناه حماية لك، فكل قضاء لله خير للمؤمن الذي يعيش بين نعم لا تحصى، وابتلاءات لا تخلو منها الحياة.
 فكم من نعم نعيشها صباح مساء: نعمة الصحة التي بها نتحرك ونعبد ربنا، ونعمة الأمن التي بها نطمئن ونستقر، ونعمة الأهل والولد التي بها تسعد القلوب، ونعمة الرزق التي بها تقوم الحياة، ونعمة الإيمان التي هي أعظم النعم وأجلها، وكلها تستوجب الحمد والشكر..
فليكن حمد الله الحمد لله على ألسنتنا في كل حين، وليكن شكره سبحانه في قلوبنا وعلى جوارحنا، فهو سبحانه أهل الحمد والثناء، وأهل المجد والعطاء، وهو الذي قال: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها}(إبراهيم:34)..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة