- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار،أما بعد، أيها المسلمون:
الحياة الحقيقية ليست حياة الأجساد التي تفنى وتزول، وإنما هي حياة القلوب التي بها صلاح الإنسان ونجاته، وبها سعادته في الدنيا والآخرة.. فالقلب هو موضع نظر الرب جل وعلا، وهو الملك الذي يقود الجوارح، فإذا صلح صلحت الجوارح، وإذا فسد، فسدت الجوارح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) رواه البخاري، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "القلب هو الملك، والجوارح جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده، وإن خبث الملك خبثت جنوده".
ومن هنا فإن حياة القلب أولى بالاهتمام من حياة الجسد، فحياة الجسد قصيرة زائلة، أما حياة القلب فهي التي تؤهل العبد لسعادة أبدية في جنات النعيم، وموت الجسد يقطع عن الدنيا، بينما موت القلب يقطع عن الدنيا والآخرة معا ويورث الشقاء، وقد قال بعض السلف: "يا عجبا من الناس، يبكون على من مات جسده، ولا يبكون على من مات قلبه، وهو أشد"..
فالقلب السليم هو رأس مالك الحقيقي، وهو الذي يرفعك عند الله، والسعادة والنجاة يوم القيامة لا تكون إلا بسلامة القلب الذي يحملك على طاعة الله واجتناب نهيه، قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(الشعراء: 88-89).
وحديثنا اليوم سيكون عن بعض علامات وصفات صاحب القلب السليم وصاحب القلب المريض، لنقتدي بأهل القلوب السليمة، ونجتنب ما يفسد ويمرض القلوب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم.
أيها المؤمنون: صاحب القلب السليم: هو الذي سلم قلبه من الشرك والرياء، وسلم من الأهواء والشهوات، لا يحب ولا يبغض إلا في الله، ولا يعطي ولا يمنع إلا لله، قلبه مطمئن بالإيمان، راض بقدر الله، متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، وقد سلم مع ذلك من الغل والحقد والحسد، وسلم من كل ما يبعده عن الله.
وصاحب القلب السليم هو الذي سلم مع أمر الله بطاعته، وسلم مع نهيه بالابتعاد عنه، قال ابن القيم: "القلب السليم الذي ينجو من عذاب الله هو القلب الذي قد سلم لربه، وسلم لأمره، ولم تبق فيه منازعة لأمره، ولا معارضة لخبره، لا يريد الا الله، ولا يفعل إلا ما أمره الله، فالله وحده غايته".
صاحب القلب السليم يحب عبادة الله ويحافظ عليها ويستعذبها، ويكره المعصية ويستثقلها، ويحافظ على صلاته، فهي عماد الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت، صلح سائر عمله، و إن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني، فمهما كان منشغلا في دنياه، إذا سمع نداء "الله أكبر" مناديا للصلاة، ترك ما في يده، وأسرع إلى إجابة النداء..
صاحب القلب السليم يمتليء قلبه وحياته بالإخلاص لله في القول والعمل، ويكثر من ذكر الله وتلاوة كتابه، ويحب مجالسة وصحبة الصالحين، ويبغض صحبة الفاسقين ومجالستهم، ويبتعد عن مواطن الفتن والشهوات، وهو دائم المحاسبة لنفسه، قال الحسن البصري: "دواء القلب في خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين"..
ومن أبرز علامات صاحب القلب السليم أنه ممتلئ بمحبة الله ورسوله، إذا ذكر الله خشع قلبه، وإذا تليت عليه آياته ازداد إيمانا، وإذا دعي إلى الخير كان أول المبادرين، قال تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}(الحج: 35)..
إن صاحب القلب السليم هو الذي يظهر أثر صلاح قلبه في حياته كلها، ويقدم طاعة ربه على شهوات نفسه، ويعامل الناس بصدق ورحمة، ويعيش بينهم بقلب نقي لا يحمل غلا ولا حسدا، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.. وما ذكرناه ما هو إلا بعض علامات وصفات صاحب القلب السليم، الذي يعيش حياة مطمئنة طيبة في الدنيا، ويرفعه الله درجات في الآخرة، ويبشره بالجنة والرضوان، فلنحرص جميعا على التحلي بهذه الصفات، لنكون من أهل القلوب السليمة الذين وعدهم الله بالنجاة يوم القيامة وبالنعيم المقيم..
أيها المؤمنون: وفي مقابل صاحب القلب السليم هناك صاحب القلب المريض، وهو الذي ينساق وراء هواه والشيطان، فإذا أحب أو كره فلهواه، وإذا أعطى أو منع فلهواه، وشهوات نفسه أحب إليه من رضا مولاه.. الدنيا تسخطه وترضيه، لا يسأل نفسه: هل هو في رضا الله أم في غضبه؟، يشبه في عصرنا من غرق في الملذات والمعاصي، يلهو بالساعات أمام الشاشات والجوالات، بينما ينادى إلى الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة فلا يستجيب..
ومن أبرز علامات صاحب القلب المريض أنه يعيش حياته بلا هدف ولا غاية، همه شهواته، وقد نسي أن مهمته التي خلق من أجلها هي عبادة الله، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات: 56).
وصاحب القلب المريض إذا وقع في المعصية لا يحس بندم على معصية ولا يسارع إلى التوبة، بخلاف صاحب القلب السليم الذي إذا زل ندم واشتعل قلبه بالندم حتى يعود إلى الله، كما قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}(آل عمران: 135).
ومن علامات صاحب القلب المريض أيضا: أنه يخلد إلى الدنيا ويرضى بها، فتكون أكبر همه ومبلغ علمه، يسمع الأذان فلا يتحرك إلى المسجد، بينما يسارع إلى اللهو والملذات، ويجد لذة في سماع ما حرم الله، ولا يجد مثلها عند سماع القرآن الكريم، قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا}(مريم: 59-60).
وصاحب القلب المريض يستبدل غذاء القلوب النافع من قرآن وذكر وصلاة وصدقة، بسموم اللهو والغفلة، فيزداد مرضه يوما بعد يوم..
فيا عباد الله، هذه صور وصفات نراها في حياتنا، ومن لم يبادر إلى إصلاح قلبه اليوم خشي عليه أن يأتي غدا وقد مات قلبه وهو لا يشعر، فلنفتش في قلوبنا ولنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، فإن السعيد حقا هو من سعى أن يكون قلبه حيا سليما، يلقى الله به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
إن واقعنا اليوم يدل على أن قلوب بعضنا قد امتلأت بالشهوات، وأثقلت بالمعاصي، وانشغلت بالدنيا عن الآخرة، فضعفت عن الطاعة واستسهلت المعصية، حتى صار القلب لا يجد لذة في العبادة، ولا خشوعا في الصلاة، ولا أنسا بالقرآن الكريم، وهذه من دلائل مرض القلوب، فواجب علينا أن نراجع أنفسنا وننظر في قلوبنا: هل هي مطمئنة بطاعة الله، منيرة بذكره، أم غافلة بعيدة عن رضاه؟
فمن وجد قلبه حيا سليما فليحمد الله وليزدد في الطاعة، ومن وجد قلبه غافلا فليبادر إلى إصلاحه قبل أن يفوت الأوان، والسعيد حقا هو من حاسب نفسه وسعى أن يكون قلبه سليما، يلقى الله به يوم القيامة فيكون من الناجين، كما قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(الشعراء: 88-89).
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

