- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
القصص الرباني هو أحسن القصص؛ إذ هو حق لا باطل فيه، وهدى لا ضلال فيه، وصدق لا كذب فيه، جعله الله تبارك وتعالى للتفكر والادكار، وللاتعاظ والاعتبار، كما قال سبحانه: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق، وموعظة، وذكرى للمؤمنين)، (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ۗ ما كان حديثا يفترى)[يوسف:111).
وما يقال في القصص القرآني يقال في القصص النبوي؛ إذ المشكاة واحدة والمصدر هو نفس المصدر (إن هو إلا وحي يوحى)[النجم:4].
ومن القصص الرباني الذي أوحاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري ومسلم في كتابيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة على الإطلاق، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن ثلاثة نفر في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، "أي حان وقت ابتلائهم الذي قدره الله"، فبعث إليهم ملكا..
فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس. فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، فمسحه، فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرة حاملا، وقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه، فرد الله بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا.
فأنتح هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم.
ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت به الحبال في سفره، فلا بلاغ اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري، فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك! ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثته كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا. قال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى، فرد الله بصري، وفقيرا، فخذ ما شئت، فوالله لا أحمدك "أو أجهدك" اليوم لشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك).
تأملات وعبر
لقد امتلأ هذا الحديث وامتلأت القصة بالعبر والدروس.. فتأملوا:
أولا: الابتلاء سنة حتمية، وقدر نافذ
فالله جعل من غايات الخلق، ابتلاء الناس واختبارهم حتى تظهر أحوالهم، ليعرف الصابرون من المتسخطين، ويعلم الصادقون من الكاذبين، والمؤمنون من الكافرين، قال سبحانه: (تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور)[الملك:2]، وقال سبحانه: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)[محمد:]
سنبتلى جميعا، فلا يحسبن أحد أنه ناج من هذا البلاء، فكل الخلق مبتلى وممتحن (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت:1ـ3].
ثانيا: الابتلاء يكون بالسراء كما يكون بالضراء
فالله سبحانه كما يبتلي بالضراء يبتلي بالسراء، وكما يبتلي بالمرض يبتلي بالعافية، وكما يبتلي بالفقر يبتلي بالغنى. (ونبلوكم بالشر والخير فتنة). والدهر يومان: خير وشر، وله طعمان: حلو ومر، ولا بد لكل إنسان أن يعيش اليومين، وأن يذوق الطعمين.
ثمانية تجري على الناس كلهم .. .. ولا بد للإنسان أن يلقى الثمانية
سرور وخوف، واجتماع وفرقة .. .. ويسر وعسر، ثم سقم وعافية.
كل هذا لماذا؟ حتى يعلم الله المجاهدين منكم والصابرين، ويبلو أخباركم.
ثالثا: فتنة السراء قد تكون أعظم من فتنة الضراء
نعم، إن الإنسان إذا ابتلي بالمرض والفقر والمسكنة، فغالبا ما يكون رقيق القلب، طيب النفس، محبا للخير، متواضعا، منكسرا لله رب العالمين، متعلق الرجاء بالله حتى يرفع الله عنه ضره وألمه ومرضه، أو فقره، ويعطيه الله ويغنيه.
أما الابتلاء بالسراء والغنى، فغالبا ما يكون صاحبه أقرب إلى الكبر والغرور، وأقرب إلى هوى النفس ومطالب الدنيا؛ ولذلك أكثر المبتلين بالسراء يرسبون في ابتلائهم واختبارهم، قال ابن عوف: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء فلم نصبر"..
وهذا أمر أقره الله تبارك وتعالى أخبر به في كتابه: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه)[الإسراء:]، وقال: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ۚ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون)[ يونس: 12].
ثالثا: كل موقف قد يكون اختبارا
احذر لحظة الاختبار والامتحان، فإنها قد تكون في كل موقف تقفه، فالإنسان يبتلى في كل شيء، وفي كل موقف، حتى يعلم حاله.
ولو أن الإنسان يعرف وقت الاختبار لاستعد له، ولأخذ أهبته؛ ولو علم الأبرص أن ابتلاءه في هذا الرجل الذي أتاه في صورته الأولى، وسأله ما سأل، لأعطاه كل ما سأل، وفوق ما أراد، ولكن يخفى علينا، وربما كان أي موقف تقفه هو الذي تمتحن فيه.
سؤال مسكين، أو جار متعثر، أو أرملة محتاجة، أو قريب في كربة، أو مريض لا يجد علاجا، أو ضعيف مسكين يظلم ويقهر أمامك.. وهكذا، سيمر عليك أمور، وستمضي عليك أحوال ومواقف، فاحذر أن يكون هذا هو موقف الابتلاء الذي يختبر الله تبارك وتعالى حالك فيه.
خامسا: لا تتعلل بكثرة الحقوق
كثيرا ما يتعلل الإنسان بكثرة الحقوق والواجبات عن أداء حق الله في نعمه.. ومع أن مطلوب الله من العبد دائما أقل بكثير جدا مما أعطاه ومن به عليه من الخير، ولكن العبد ينظر إلى ما سيؤخذ وينسى ما أخذ، ولذلك قال الأبرص والأقرع، الحقوق كثيرة، نسي الأبرص وادي الإبل كله، ونظر فقط إلى الناقة التي سيأخذها الفقير، والأقرع كذلك نسي وادي البقر بطوله وعرضه، ولم يفكر إلا في البقرة التي هي حق السائل والمحروم.. فبخل هذا بناقة واحدة، وذاك ببقرة واحدة وقال كل منهما نفس المقولة: "الحقوق كثيرة".
الحقوق كثيرة: أقساط البيت، أقساط السيارات، أقساط المدارس الخاصة، وعندنا النفقات والمستلزمات، والسفرات، فيتعلل الإنسان عن فعل الخير بكثرة ما عليه من التزامات، فيمنعه هذا من أن يؤدي فضل الله تبارك وتعالى عليه، ويمنعه من شكر النعمة فتكون المصيبة والعقوبة أن يزيلها الله كلها.
سادسا: نسيان الماضي سبب لعدم الشكر
أن ينسى الإنسان أنه كان فقيرا فأغناه الله، محتاجا فأعطاه الله، عاريا فكساه الله، عزبا فزوجه الله، ولا قيمة له، فجعل الله له قيمة، ورفع الله قدره، ينسى حاله السابق فلا يرى فضلا لله عليه، وينسى واجب الشكر. (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)[التوبة: 75ـ76].
سابعا: رؤية الاستحقاق من الخذلان
فبعض الناس إذا أنعم الله عليه يرى أنه أهل لهذا الفضل، وأنه مستحق له، ولولا ذلك ما أعطاه الله، كما قال جل جلاله: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ۚ بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون)[الزمر:49]. وكما قال قارون تماما: (قال إنما أوتيته على علم عندي)[القصص:78]. وهكذا هنا قال الأبرص والأقرع: "إنما ورثته كابرا عن كابر".
وهذا كله ليس له إلا عاقبة واحدة ونتيجة محتمة وهي: "إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت". وفي قصة قارون: (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين)[القصص:81].
وأخيرا: الشكر قيد النعم
فحفظ النعمة إنما يكون بشكرها.. والشكر هو: "الاعتراف بها باطنا، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في رضا مسديها ومعطيها".
والشكر معه الزيادة، والرضا من الله، كما أن كفرانها فيه الزوال والسخط، كما قال الملك للأعمى: "أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، وقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك".

المقالات

