- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
لم يعد الهاتف الذي نحمله في أيدينا مجرد وسيلة للتواصل، أو نافذة للاطلاع على الأخبار والمعارف، فقد أصبح رفيقا يزاحم الإنسان في خلوته، ويشاركه لحظات فرحه وحزنه، ويقتحم أوقات عبادته وراحته، وربما امتد حضوره إلى اللحظات التي يجلس فيها المرء بين أهله وأحبائه. وبين إشعار يتجدد، وصورة تستوقف النظر، ومقطع يستدعي آخر، قد يمضي اليوم طويلا بينما لا يكاد الإنسان يشعر بما تسلل إلى قلبه من غفلة وتشتت، أو بما استقر في نفسه من مقارنة وسخط وحرص على أن يراه الآخرون.
وليس الخطر في التقنية ذاتها؛ فهي نعمة تتسع بها أبواب العلم والدعوة وصلة الأرحام، وإنما في الطريقة التي تستولي بها على الانتباه، وتعيد تشكيل العادات والرغبات، حتى يصبح القلب أسيرا لما يعرض عليه، بدلا من أن يكون صاحبه هو الذي يختار ما ينظر إليه، وما يمنحه من وقته واهتمامه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر في أمراض القلوب التي قد تنشأ أو تتفاقم في البيئة الرقمية، لا لمجرد التحذير من الشاشات، بل لفهم أثرها في علاقة الإنسان بربه، ونظرته إلى نفسه والآخرين، وقدرته على حفظ إخلاصه وسكينته.
حين تتزاحم الملهيات على القلب
من أخطر آثار الاستغراق في العالم الرقمي أن يألف القلب الانتقال السريع بين الأشياء، فلا يكاد يستقر على معنى، ولا يمنح عملا حقه من الحضور والتدبر. يفتح المرء هاتفه ليتحقق من رسالة، فينتقل إلى خبر، ثم إلى مقطع، ثم إلى تعليقات ومناقشات، حتى تمضي دقائق طويلة من غير غاية واضحة.
وقد لا تبدو هذه العادة في ظاهرها معصية، لكنها قد تتحول إلى باب واسع للغفلة إذا استنزفت الأوقات، وأضعفت حضور القلب في الصلاة والذكر، وصرفت الإنسان عن واجباته ومسؤولياته. فالخطر ليس في كل لحظة يقضيها المرء أمام الشاشة، وإنما في أن يفقد القدرة على ضبطها، وأن تصبح الملهيات هي التي تقود يومه وتحدد مسار انتباهه.
وقد نهى الله تعالى العباد أن يكونوا من الغافلين بقوله: (ولا تكن من الغافلين) [الأعراف: 205]، وأخبر عن الخسارة التي تلحق بمن غفل عن غاية وجوده فقال سبحانه: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) [الحشر: 19].
والنسيان هنا ليس مجرد غياب المعلومة عن الذهن، بل قد يبلغ بالإنسان أن يغفل عن حق ربه، وعن مصالح نفسه الحقيقية، وعن الغاية التي ينبغي أن تنتظم حولها حياته. وإذا اعتاد القلب أن يطلب التنبيه والإثارة في كل لحظة، فقد يجد مشقة في الإقبال على القرآن، أو طول الوقوف في الصلاة، أو التأمل الهادئ الذي يحتاج إليه في محاسبة نفسه.
المقارنة والحسد
تعرض المنصات الرقمية للمستخدم صورا منتقاة من حياة الآخرين: رحلة جميلة، وبيت واسع، ونجاح مهني، ومظهر أنيق، ومناسبة سعيدة. لكن ما يظهر على الشاشة ليس الحياة كلها، وإنما جانب اختير غالبا ليكون جديرا بالعرض والإعجاب. ومع ذلك، قد يتعامل القلب مع هذه الصور كما لو كانت صورة كاملة لحياة أصحابها.
وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة: لماذا لا أملك ما يملكون؟ ولماذا تأخرت عنهم؟ وكيف يبدو الآخرون أكثر نجاحا وسعادة مني؟ وقد ينتقل الأمر من مجرد تمني الخير إلى تضجر من النعمة الحاضرة، أو استثقال لما قسم الله، أو تمني زوال ما عند الآخرين.
وهذا من المواضع التي يحتاج فيها القلب إلى مجاهدة صادقة؛ فقد قال الله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) [النساء: 32]. كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظر فيمن هو دون المرء في أمور الدنيا، فقال: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم[رواه مسلم].
ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان عن الاقتداء بالناجحين أو الاستفادة من تجاربهم، وإنما أن يميز بين الاقتداء الذي يدفعه إلى العمل، والمقارنة التي تفسد عليه الرضا وتجعله أسيرا لمقاييس الآخرين. فنجاح غيره ليس دليلا على فشله، وما يظهر من النعم في حياة الناس لا يكشف بالضرورة عن حقيقة أحوالهم.
أما الحسد، فليس لازما لكل مقارنة، لكن المقارنة إذا غذت الاعتراض على القسمة، أو أورثت تمني زوال النعمة عن صاحبها، فقد فتحت بابا من أبوابه. والعلاج أن يستحضر المسلم فضل الله، ويسأله من خيره، ويبارك للناس فيما آتاهم، ويعود إلى ما يستطيع إصلاحه في حياته بدلا من استنزاف قلبه في تتبع حياة الآخرين.
الرياء وحب الظهور
أتاحت المنصات الرقمية للإنسان أن ينشر العلم النافع، ويشارك أعمال البر، ويشجع غيره على الخير، وهي أبواب قد تكون عظيمة الأجر إذا صلحت النيات والتزمت الضوابط الشرعية. لكن سهولة عرض الأعمال أمام الجمهور تضع الإخلاص أمام اختبار متكرر؛ إذ قد يجد المرء نفسه منشغلا بعدد المشاهدات والإعجابات، ومقدار التفاعل، ومكانته في أعين المتابعين.
وقد يبدأ بنشر عمل نافع ابتغاء وجه الله، ثم يتسلل إليه الحرص على الثناء، فيحزن إذا قل التفاعل، وينشط إذا كثر المديح، وربما غير محتواه أو أسلوبه ليحظى بقبول الجمهور، ولو كان ذلك على حساب الحق أو النية الصالحة.
وهذا لا يعني أن كل من نشر عمله الصالح مراء، ولا أن كثرة التفاعل دليل على فساد النية؛ فالأحكام على المقاصد لا تبنى على الظنون. لكن المسلم مأمور بأن يتفقد قلبه، وألا يجعل نظر الناس هو الميزان الذي يحدد قيمة عمله.
قال الله تعالى: (ألا لله الدين الخالص) [الزمر: 3]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: يقول الله تعالىأنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه[رواه مسلم].
ومن وسائل الوقاية أن يجعل الإنسان له أعمالا صالحة لا يطلع عليها أحد، وأن يراجع نيته قبل النشر وأثناءه وبعده، وألا يقيس أثر عمله بعدد من تفاعلوا معه. فرب عمل خفي عظيم عند الله، ورب كلمة انتشرت بين آلاف الناس لم يرد صاحبها بها وجه الله. والعبرة ليست بحجم الجمهور، وإنما بصدق العبودية وقبول العمل.
حين تفقد المشاهد المؤلمة أثرها
من المشاهد التي تتكرر على الشاشات صور الحروب والقتل والدمار، ومآسي الفقراء والمرضى، وأخبار الكوارث والمحن. وقد تكون متابعة هذه الأحداث بابا للوعي، ونصرة المظلوم، والدعاء للمبتلين، والبذل لإغاثة المحتاجين. لكن كثرة التعرض للمشاهد المؤلمة دون وعي أو عمل قد تجعل بعض الناس يألفون ما كان ينبغي أن يحرك مشاعرهم، أو يتعاملون مع آلام الآخرين بوصفها محتوى عابرا ينتقلون منه إلى التسلية في ثوان.
ولا يصح الجزم بأن كثرة المشاهدة تؤدي حتما إلى قسوة القلب؛ فالناس يختلفون في استجاباتهم، وقد يتأثر الإنسان بما يرى تأثرا بالغا. لكن الخطر يظهر حين تتحول مآسي البشر إلى مادة للاستهلاك، أو حين يعاد نشر صور الضحايا دون مراعاة لحرمتهم وكرامة ذويهم، أو حين يطغى الانفعال اللحظي على التفكير في واجب النصرة والإعانة.
وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين الذين تلين قلوبهم لذكره، فقال سبحانه: (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) [الزمر: 23]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى[رواه مسلم].
ومن مقتضيات هذا التراحم ألا نكتفي بمشاهدة المأساة، بل نسأل أنفسنا عما نستطيعه من دعاء أو صدقة أو دعم موثوق أو توعية مسؤولة. كما ينبغي أن نعرف متى نعرض عن المشاهد التي لا تحقق نفعا، ولا تزيدنا إلا اضطرابا أو اعتيادا على الألم. فالمقصود ليس أن نرى كل شيء، بل أن تبقى قلوبنا حية، وأن تتحول الرحمة إلى موقف نافع بقدر الاستطاعة.
حين تفسد الكلمات ما بين الناس
تتيح المنصات للإنسان أن يكتب في لحظة انفعال ما قد يعجز عن قوله وجها لوجه، وقد تدفعه سرعة التفاعل إلى الرد قبل التثبت، وإطلاق الأحكام قبل فهم السياق، والدخول في جدالات تستنزف الوقت وتفسد الصدر. وربما تحولت مخالفة فكرية أو اختلاف في الرأي إلى خصومة شخصية، يتتبع فيها كل طرف زلات الآخر، ويجمع عليه الكلمات، ويستدعي أخطاءه القديمة.
ومما يزيد الأمر تعقيدا أن بعض البيئات الرقمية تكافئ المحتوى المستفز بالانتشار، فيظن المستخدم أن رفع الصوت، أو السخرية، أو التجريح سبيل إلى إثبات الحضور والتأثير. وهكذا قد يعتاد القلب حدة الخصومة، ويضعف فيه الإنصاف، ويصبح الانتصار للنفس أحب إليه من الوصول إلى الحق.
وقد أمر الله تعالى عباده بالقول الحسن، فقال سبحانه: (وقولوا للناس حسنا) [البقرة: 83]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت[متفق عليه].
ولا يعني ذلك أن يترك المسلم بيان الحق أو مناقشة الخطأ، وإنما أن يفرق بين نصرة الحق والانتصار للنفس، وبين النقد المسؤول والتشهير، وبين الحزم وسوء الخلق. ومن الحكمة ألا يكتب الإنسان وهو في ذروة غضبه، وأن يتثبت من الأخبار قبل نشرها، وأن يترك الجدال حين يتحول إلى مراء لا ثمرة له.
كيف يستعيد القلب عافيته في العالم الرقمي؟
ليست معالجة هذه الأمراض في اعتزال التقنية اعتزالا مطلقا، ولا في الشعور بالذنب تجاه كل استخدام للهاتف، وإنما في استعادة القيادة: أن يكون القلب حاضرا في اختيارات الإنسان، وأن تبقى التقنية وسيلة في يده، لا قوة تستولي على يومه وتوجه رغباته.
وتبدأ هذه المعالجة بخطوات عملية واضحة، منها:
أولا: محاسبة النفس وتحديد مواضع الخلل. يسأل المرء نفسه: ما الذي أبحث عنه كلما فتحت هاتفي؟ هل أخرج منه بعلم أو منفعة، أم أجدني أضيع وقتي في تتبع ما لا يعنيني؟ هل تؤثر المقارنات في رضاي؟ وهل يتغير نشاطي في الطاعة تبعا لما أحصل عليه من إعجاب الناس؟ فالتشخيص الصادق نصف الطريق إلى الإصلاح.
ثانيا: وضع حدود زمنية واضحة. من المفيد تحديد أوقات للاطلاع على الرسائل والمنصات، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، وإبعاد الهاتف عن أوقات الصلاة والقراءة والجلوس مع الأسرة. وليس المقصود أن يكون ضبط الوقت غاية مستقلة، بل أن يستعيد الإنسان القدرة على توجيه انتباهه إلى ما هو أولى.
ثالثا: بناء خلوات إيمانية لا تزاحمها الشاشات. يخصص المسلم وقتا يوميا لقراءة القرآن وتدبره، والذكر والدعاء ومحاسبة النفس، بعيدا عن التنبيهات والمقاطعات. فالقلب يحتاج إلى السكون الذي يستطيع فيه أن يسمع نداء الإيمان، ويتأمل معاني الوحي، ويستحضر مراقبة الله تعالى.
رابعا: تنويع مصادر السعادة والإنجاز. فلا يجعل الإنسان قيمته رهينة عدد المتابعين أو الإعجابات، بل يستمد رضاه من عبوديته لله، وإتقانه عمله، وبره بوالديه، ونفعه للناس، وصيانته لأمانته. ويحرص على صلة الرحم واللقاءات المباشرة والرياضة والأنشطة النافعة، حتى لا تختزل حياته في عالم افتراضي محدود.
خامسا: تطهير البيئة الرقمية. بأن يتابع ما ينفعه في دينه ودنياه، ويلغي متابعة الحسابات التي تثير الحسد أو الشهوة أو الخصومة، ويبتعد عن المحتوى الذي يستهلك وقته بلا فائدة. وليتذكر أن ما يكرره النظر قد يترك أثرا في القلب، وأن حفظ البصر والسمع لا يقل أهمية عن حفظ اللسان.
سادسا: تخصيص أعمال خفية لا يطلب بها ثناء أحد. يداوم على صدقة لا يعلم بها الناس، أو دعاء في جوف الليل، أو ورد من القرآن لا يصوره ولا ينشره، أو مساعدة يقدمها لمحتاج دون إعلان. فهذه الأعمال تعين على تربية الإخلاص، وتذكر القلب بأن أعظم ما يرجوه هو قبول الله، لا إعجاب الجمهور.
وقد دل القرآن الكريم على أن طمأنينة القلب الحقيقية لا تستمد من وفرة المثيرات ولا من متابعة أحوال الناس، وإنما من الصلة بالله تعالى، فقال سبحانه: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)[الرعد: 28]. وهذه الطمأنينة لا تعني الانقطاع عن شؤون الحياة، بل أن يتحرك الإنسان في الحياة بقلب يعرف وجهته، ويضبط رغباته، ولا يفقد سكينته كلما تغيرت أحوال الناس من حوله.

المقالات

