السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طبيبنا الفاضل: أعاني من مشكلتين، ولا أدري هل هما مرض أم لا؟
أولا: الخوف، فأنا أخاف من عدة أمور لا تستحق الخوف، وهذه بعضها:
- أكون خائفا في طريقي إلى المدرسة أو إلى نشاط أو فعاليات، ثم يختفي الخوف عند الدخول إليها، وهذا يحصل في جميع الحالات.
- وكذلك أشعر بالخوف عندما أكون متأخرا، ويوصلني أبي إلى المدرسة، فعندما نقترب منها يبدأ الخوف يدب في جسدي، ليس خوفا من الإدارة أو العقاب، ولكن خوفا لا أعرف سببه.
- وأشعر بالخوف عندما يقترب موعد ممارسة رياضتي اليومية، وخاصة إذا كانت طويلة.
- وأشعر بالخوف من العراك ولو كان الطرف الآخر ضعيفا، حتى إنني من شدة الخوف أتعرق وأحس قلبي في حنجرتي.
- وكذلك عندما أدخل إلى المسجد في حلقات التحفيظ التي أذهب إليها أشعر بالخوف.
- وعندما أذهب إلى مقابلة شخص غريب أو لم ألتق به منذ فترة طويلة أشعر بالخوف.
- وكذلك عندما يحين موعد ذهابي إلى مسابقة مشترك فيها أشعر بخوف.
- وعندما يقترب موعد ركوب الحافلة للعودة إلى البيت في المركز الديني الذي أذهب إليه أشعر بالخوف، وهذا لا يحدث معي في المدرسة عند انصرافنا.
- وعندما يحين موعد الغداء أو لعب الكرة في المركز الديني أشعر بخوف رهيب.
ولكن عندما أبدأ في هذه الأمور التي ذكرتها سابقا يزول الخوف ويختفي، وهناك حالات كثيرة مشابهة، والعجيب أن هذا يتكرر معي كل يوم، أي ليس أول مرة فقط، بل أزاول الشيء عدة أسابيع والخوف هو نفسه لا يتغير.
وأحيانا تحدث معي مشاجرة أو مشكلة مع أحدهم، فأبدأ أضخم هذه المشكلة في نفسي وأشعر بالخوف، وفي النهاية لا يحصل شيء، والخوف يتفاوت، ولكنه غالبا يكون قويا جدا، حيث تزيد نبضات قلبي وتنقبض عضلات معدتي، والحمد لله أنا لا أشعر بخوف من شيء معين كما عند بعض الناس، ولا أخاف من أحد، ولا أخاف من الموت أو المستقبل.
ثانيا: أنا غير اجتماعي: فلا أستطيع تكوين صداقات بسهولة مع رغبتي في أن يكون لي أصدقاء، ومشاركتي في النشاطات الصيفية، لكنني أظل وحيدا ولا أندمج بسرعة، وأنا اجتماعي فقط مع أسرتي وأقاربي، فتراني لا أكف عن الكلام والثرثرة، وعندما أدخل مكانا عاما أو نشاطا اجتماعيا -كالمسجد ونحوه- أشعر بأن الناس تراقبني، وعندما أجلس أركز نظري في مكان خال؛ لأنني أخاف أن يقع نظري على أحد، وكذلك عندما أتكلم مع أي أحد أشعر في نفسي بأنه لا يريد التحدث إلي، ويتمنى أن يقطع حديثه معي، وعندما أكون في مجموعة أشعر بأنهم لا يريدونني، ليس حقدا، ولكن لأنني ممل؛ ولذلك لا أكون صداقات بسهولة، وأفكر ألف مرة قبل أن أتكلم إلى أحد، ولا أستطيع أن أفعل مثلما يفعل الفتيان مثلي من مشاغبة ولعب في الحارة، أو في النشاطات الصيفية، فحركاتي تكون هادئة، ولا يكاد أحد يسمع لي صوتا.
مع العلم أنه إذا تكونت لي صداقة ومعرفة -وغالبا بعد فترة طويلة- فإنني أبدأ باللعب والحركة والكلام ولا أخجل، ولكن هذا الشعور بأنهم لا يرغبون في التحدث إلي يبقى موجودا في نفسي، وهذا حتى مع أقرب أصدقائي وأقاربي.
أنا آسف على الإطالة، فقد أحببت أن أصف حالتي بدقة حتى يكون العلاج مناسبا، وجمعت أكثر من مشكلة لتتضح لكم جوانب شخصيتي كاملة، ولا أخفيكم أنني في شك من الأدوية النفسية، فقد ذكر لي أنها قد تسبب حالات خطيرة -والعياذ بالله-، وأنها قد تؤدي إلى الموت أو القيام بجرائم، ولكني واثق بأنكم ستحرصون على نفعنا وتصفون العلاج المناسب لهذه الحالة، وإن كان هناك أغذية تغني عن هذه الأدوية فذلك أفضل.
وجزاكم الله خيرا، ولن أنساكم بدعوة في ظهر الغيب.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأهلا ومرحبا بك في موقعك، ونشكرك على تواصلك معنا وثقتك في استشاراتنا، سائلين الله عز وجل أن يكتب لك الخير، وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه.
أولا: تقييم الحالة النفسية وطبيعة المخاوف:
قد وصفت حالتك بكل دقة، والمواقف التي تعاني منها أنت من الخوف واضحة جدا، ويظهر أنها كلها مواقف ذات طابع اجتماعي، تتطلب بعض المواجهة العادية، ولكن درجة القلق لديك ترتفع؛ مما يسبب لك عدم الارتياح والخوف الذي ذكرته، وغالبا هذا نوع من الخوف يكون غير مبرر، ولا يستطيع صاحبه أن يحدده بدقة تامة.
عموما: الذي أود أن أقوله لك: إنني لا أعتقد أنك تعاني من حالة مرضية، من الواضح أن شخصيتك حساسة بعض الشيء، وأن لديك الطابع القلقي، ربما يكون كنوع من الاستعداد الفطري لديك، وإذا ربطنا ما بين وصفك لنفسك بأنك غير اجتماعي والخوف؛ فنقول: إنه ربما يكون هنالك شيء من الخوف الاجتماعي، أو ما يسمى بالقلق الاجتماعي.
كل هذه الصفات والسمات هي ظواهر، ولا أرى أبدا أنها وصلت لدرجة المرض في حالتك؛ ولذا أنا أرى أنك لست في حاجة -حقيقة- لعلاج دوائي، ليس لأن الأدوية النفسية خطيرة، ولكن لأن حالتك بسيطة، وأعتقد أنك إذا طبقت التمارين السلوكية سوف تتخلص من الكثير من هذه المشاعر التي تسبب لك الخوف والقلق.
ثانيا: آليات المواجهة السلوكية وتعديل المشاعر:
1. من الضروري جدا ألا تقبل الخوف ولا تقبل هذا القلق، أنا أعرف أنه يفرض نفسه عليك وأنت لا تريده، ولا تريد أن تقبله، ولكن حين يأتيك يجب أن يكون هنالك نوع من الحوار، ونوع من النقاش مع نفسك، وتحاول أن تفصل بين مشاعرك وبين أفعالك.
2. يجب أن تلتزم بالتطبيق (بالأفعال)، فإذا أردت أن تذهب إلى أي مكان تتعامل فيه مع الآخرين فاذهب إليه وقم بالمواجهة، ومن الطبيعي أن يحدث لديك قلق وخوف، وسوف تجد أنك حين تصر على المواجهة وإنجاز ما تريد إنجازه سوف يرتفع عندك معدل الخوف والقلق، وهذا الارتفاع سوف يستمر ما دمت أنت في وضع المواجهة، ولكن بعد ذلك سوف تلاحظ أن القلق والخوف بدأ يقل حتى ينتهي تماما.
3. هذا الأمر مهم جدا -وهو العلاج الجوهري للخوف-: المواجهة مع منع الاستجابة السلبية، أن أواجه مصدر خوفي، وأن أحاول أن أخضعه للمنطق، وألا أستجيب استجابة سلبية، أي: لا أتجنب الموقف أو أهرب منه.
هذا هو العلاج الرئيس لمثل هذه الحالات، والذي أطالبك به هو:
- أن تكثر من المواجهات قصدا.
- اجعل لنفسك برامج يومية تواجه فيها الناس، وتذهب لمقابلة الناس، ولقضاء المهام التي تود أن تقوم بها.
- لا بد أن يكون في داخل تفكيرك وعقلك الداخلي أن هذا الخوف يجب ألا يعتريك، ويجب أن تحقره، وأن تقلل من شأنه ومن قيمته، وأن تصر على أن تطبق برنامج المواجهة وتطبيق ما ذكرت لك.
إذن البرامج اليومية للمواجهة أمر مهم جدا.
ثالثا: المواجهة الخيالية والتطبع النفسي:
بعض الناس يستفيد كثيرا مما نسميه بـ (المواجهة في الخيال)، والمواجهة في الخيال نعني بها:
أن ترسم في خيالك موقفا دقيقا يتطلب منك المواجهة، ويتطلب منك أن تقوم بعمل اجتماعي كبير أمام الآخرين، مثلا: تخيل وتصور أنك قد كلفت أن تصلي بالناس، أو طلب منك أن تقوم بنشاط معين أو تقدم عرضا معينا في هذه الأماكن التي ترتادها، مثل المعهد الديني، كلها مواقف تؤدي إلى شيء من الخوف والقلق، وهذا الخوف والقلق في الأصل هو أمر محمود؛ لأنه هو الذي يؤدي إلى الدافعية وإلى حسن الإنجاز، ولكن حين يزيد ينعكس سلبا، ولذا نقول: الإنسان حين يعرض نفسه في الخيال يوميا مرتين أو ثلاثا لمدة لا تقل عن خمس عشرة دقيقة هذا سوف يؤدي إلى نوع من التطبع، ونوع من التواؤم النفسي الذي من خلاله يقل عندك إن شاء الله تعالى الخوف، فعليك بالمواجهة في الخيال وبالمواجهة الفعلية.
رابعا: تمارين الاسترخاء وتفريغ التوتر الفسيولوجي:
هناك تمارين تسمى بـ "تمارين الاسترخاء"، وهي تمارين جيدة جدا ومفيدة جدا؛ حيث إنها تجهض المكون الفسيولوجي الذي يصاحب الخوف، وأعني بالمكون الفسيولوجي: الشعور بالانقباض في الصدر، أو تسارع ضربات القلب، أو القشعريرة، أو التعرق، أو نحو ذلك.
درب نفسك على هذه التمارين، وهي في أبسط صورها تتطلب منك الآتي:
1. الاستلقاء في مكان هادئ، مع إغماض العينين، والتفكير في شيء جميل.
2. أخذ نفس عميق وبطيء عن طريق الأنف، ويجب أن يكون النفس بالعمق والشدة التي تجعلك تحس كأن الحجاب الحاجز قد امتلأ.
3. إمساك الهواء وحبسه في صدرك قليلا.
4. إخراج الهواء عن طريق الفم ببطء شديد وقوة.
5. تكرار هذا التمرين خمس مرات متتالية، بمعدل مرة في الصباح ومرة في المساء لمدة أسبوعين، ثم ممارسته بعد ذلك مرة واحدة يوميا على الأقل.
خامسا: تعزيز المهارات الاجتماعية والنشاطات الجماعية:
أريدك أن تخصص نوعا من اللقاءات الاجتماعية التي تكسر هذا الحاجز الاجتماعي، وما وصفته بشيء من الانطوائية أو عدم الارتياح في التفاعل مع الآخرين، مثلا:
1- ممارسة الرياضة الجماعية ككرة القدم، هذه وجد أن الإنسان يتفاعل فيها شعوريا ولاشعوريا، حين تركض وتجري وتطلب الكرة من زميلك هذا فيه شيء كثير من اللاشعور، أي: التصرف اللاإرادي الذي يجعلك لا تحس بالقلق أبدا في مثل هذا الموقف، وهكذا، إذن هذه الممارسات الرياضية الجماعية فيها خير كثير جدا.
2- بناء الصداقات دائما يحدث حين نحسن الظن بالناس ونتخير الناس أيضا، وأنت -والحمد لله- ترتاد أماكن خيرة كالمساجد وأماكن التحفيظ، ولا شك أيضا أنه لديك أقرباء من الناس من ذوي الأخلاق والجيدين، فيا أخي الكريم: يجب أن تسعى قصدا لبناء وتطوير شبكتك الاجتماعية؛ حتى تتجنب هذا التقلص الاجتماعي الذي فرضته على نفسك.
سادسا: التوصيات العامة والمراجع السلوكية:
هذه الأمور التي مرت هي الأسس الرئيسة التي تساعدك في التواصل وتجنب الخوف، وهنالك كتب جيدة يمكنك قراءتها، مثل:
- كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" (How to Stop Worrying and Start Living)، لكاتبه "ديل كارنيجي" كتاب قديم مترجم، ولكنه جيد جدا.
- وكتاب "قوة الآن" (The Power of Now): لـ "إيكهارت تول"، يركز على التخلص من القلق عبر العيش في اللحظة الحاضرة، وعدم الانغماس في ندم الماضي، أو مخاوف المستقبل.
- وكتاب "التفكير الإيجابي" (The Power of Positive Thinking): لمؤلفه "نورمان فينسينت بيل"، يعد من كلاسيكيات تطوير الذات، ويركز على كيفية تغيير حياة الإنسان من خلال تغيير نمط تفكيره.
سابعا: التوصية بشأن العلاج الدوائي والنظام الغذائي:
بناء على ما سبق، أؤكد لك أنك لست بحاجة إلى تدخل علاجي دوائي في الوقت الحالي، أما فيما يتعلق بالجانب الغذائي، فإني أنصحك بالحرص على تناول وجبات طعام متكاملة ومتوازنة في عناصرها الغذائية، بحيث تشتمل الوجبة على حصص مناسبة من البروتينات، والنشويات، مع قدر قليل من الدهون، كما أوصيك بالتركيز على الخضروات والفواكه؛ نظرا لما تكتنزه من عناصر ومكونات غذائية ذات منافع جمة لصحة الجسم ونشاطه.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وأرجو ألا تنزعج أبدا، ونسأل الله لك الشفاء والعافية والتوفيق والسداد.