متردد بين إكمال الدراسة والدخول في مجال الفن الهادف، فما توجيهكم؟

0 3

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب في العشرينيات من عمري، كنت متفوقا جدا في دراستي بالمرحلة الثانوية، ولكنني لم أكمل تعليمي الجامعي بسبب ظروف عديدة، وأنا أفكر الآن في إكمال دراستي الجامعية إن شاء الله؛ إذ كان حلمي دائما أن أدرس الطب، ولكنني لم أقبل في هذا التخصص بسبب امتحانات الجامعة، التي يتوجب علينا اجتيازها بالإضافة إلى شهادة الثانوية العامة.

المشكلة تكمن في أنني أحب التمثيل والإنشاد بشكل غير طبيعي؛ فأنا ولله الحمد أتمتع بصوت جميل، وقد قمت بأداء عدة أناشيد، وأثنى الناس على صوتي كثيرا، أنا أفكر كثيرا في هذا المجال، وهو يأخذ حيزا كبيرا من وقتي؛ فعندما أدرس أفكر في التمثيل والإنشاد، وعندما أعمل أفكر في التمثيل والإنشاد كذلك، فأنا أعشق مجال الفن، ولكن، ما يمنعني من الدخول أولا في مجال الإنشاد هو الخلاف الفقهي المتعلق باستعمال المعازف؛ إذ لا أريد الدخول في مجال فيه شبهة، ولذلك أقرر ألا أستعمل المعازف؛ لأنني أشعر أن هذا أبرأ لديني، فأقول لنفسي: (سأقوم بعمل أناشيد دون موسيقى، مع الاكتفاء بالمؤثرات الصوتية)، ولكنني سرعان ما أغير قراري؛ لأنني أشعر أن الأناشيد الخالية من الموسيقى لا تنجح، ولا تنتشر كالأناشيد المصحوبة بها، (وهذا رأيي الشخصي بالطبع)، فأقرر التراجع عن الأمر متسائلا: لم أتعب نفسي في شيء لن يكتب له النجاح؟

أما بالنسبة للتمثيل، فأنا أمثل منذ صغري، وقد أحب الناس تمثيلي، وكنت أقوم بكتابة السيناريو أيضا، أنا أحب هذا المجال بشكل جنوني، وقد رافقني في أغلب سنوات حياتي، وكان حلمي أن أصبح ممثلا، ولكن، عندما أنظر إلى هذا المجال اليوم وما يحويه الكثير منه من اختلاط وتسيب وسفور وتبرج، أتساءل: هل أستطيع أن أمثل في أفلام ومسلسلات عادية يكون دوري فيها محتشما ومحترما؟ أم أن الأفضل والأورع هو الابتعاد عن هذا المجال تماما؟

إنني أحلم بإنتاج مسلسل أو فيلم إسلامي، ولكنني لا أملك الإمكانيات اللازمة لذلك، وأيضا، لو قمنا بعمل كهذا، فبالتأكيد سيكون هناك نساء ورجال في العمل (أي بيئة مختلطة)، حتى وإن كانت النساء محجبات، فهل يجوز ذلك شرعا؟

والله لقد تعبت من كثرة التفكير في هذا المجال، وقد سألت عدة علماء دين وتفاوتت آراؤهم؛ فأنا أحب الله ولا أريد أن أغضبه أبدا، وهدفي هو نيل رضاه ودخول الفردوس الأعلى إن شاء الله، ولكن هذا المجال أرهقني بالتفكير فيه، وأشعر أنه كالفيروس الذي لا يريد مفارقتي.

هل أتخلى عن هذا الحلم إلى الأبد؟ أم أنني أستطيع أن أكون فنانا وداعية في آن واحد وأدخل الفردوس الأعلى؟ ماذا أفعل؟ فالعمر يمضي وأنا أعيش في حيرة شديدة.

بارك الله فيكم، وأرجو منكم التفصيل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحبا بك أيها الأخ الحبيب في استشارات إسلام ويب، ونحن نشكر لك حرصك على تحري الحلال والوقوف عند حدود الله، وهذا علامة إن شاء الله على إيمانك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياك على الحق والهدى.

ونحن في إشارتنا عليك نبدأ من حيث انتهيت أيها الحبيب، فقد أحسنت في آخر عبارة حين قلت (العمر يسير)، وهو كذلك، وينبغي للإنسان العاقل أن يستغرقه، وأن يسخره فيما ينفعه عند الله تعالى، فالدنيا وزينتها وما عليها لا تستحق أن يرتكب الإنسان لأجلها معصية من معاصي الله تعالى.

وكن على ثقة أيها الحبيب بأن ما قدره الله عز وجل لك من الرزق أو الشهرة أو غير ذلك سينالك وسيأتي إليك دون أن تسلك الطرق المحرمة، فإن الله عز وجل لم يجعل أبدا الحرام سببا لرزقه ونيل ما عنده وموصل إلى رضاه، بل قد أخبرنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة وأخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم بأن المعاصي والسيئات سبب للحرمان من الأرزاق وسبب لنزول أنواع البلاء بالإنسان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).

فكن على ثقة ويقين بأن ما قدره الله عز وجل لك قبل أن تخلق وتوجد على هذه الأرض سيصل إليك، لكن اسلك في الوصول إليه وتحصيله السبل والأسباب المشروعة، وفي هذا كفاية وغنية إن شاء الله تعالى عن تنكب الطريق، وارتكاب المحرمات والوقوع في مساخط الله تعالى، والإنسان العاقل هو من يحذر من سخط الله وغضبه، فإن سخط الله لا تقوم له السماوات والأرض، فكيف بهذا الإنسان الضعيف المسكين؟!

ومن ثم؛ فنحن ننصحك أيها الحبيب بأن تقطع التفكر في الوسائل المحرمة، التي قد تجرك أو تقودك إلى ما تشتهيه نفسك من الشهرة أو نحو ذلك، فاستعمال المعازف حرام والغناء المصاحب لها حرام، وقد ورد في ذلك نصوصا نبوية، وعلى هذا جماهير العلماء المعتبر بأقوالهم، وكذلك التمثيل الذي فيه إخلال بالآداب الشرعية، كاختلاط الرجال والنساء، والنظر إلى النساء، ونحو ذلك من المفاسد الشرعية، كل ذلك حرام ولا يوصل إلى ما يتمناه الإنسان من السعادة والطمأنينة في ظل طاعة الله تعالى.

وبإمكانك أن تنفس وتخرج هذه المواهب المكنونة لديك في المجالات الجائزة المباحة، فالإنشاد الإسلامي كل يوم في ازدياد وتطور ولله الحمد، والواقع قد أثبت أن الكثير من الإنشاد الإسلامي أفاد وانتفع به الناس، مع تجنب أصحابه أو الكثير منهم في الوقوع في المحاذير الشرعية، وكذلك فن التمثيل حيث كانت من وراءه منفعة وفائدة، فإنه مفيد بإذن الله تعالى إذا التزمت فيه الضوابط الشرعية، التي أجاز بها بعض أهل العلم التمثيل، وإن كان في تجنبه إن شاء الله ما يكفي الإنسان عن الولوج فيه، لكن إذا انضبطت الضوابط الشرعية من حيث يتجنب الإنسان ارتكاب ما هو محرم؛ فإن الأمر فيه سعة إن شاء الله.

وكن على ثقة أيها الحبيب بأنك إذا سلكت الطريق الصحيح الذي يرضاه الله عز وجل؛ ستنال بذلك سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وسيضع الله عز وجل السعادة والسكينة في نفسك، وكم هم الذين سلكوا الطرق المخالفة، ثم عاشوا أنواعا من التعاسة والشقاء، وإن ظهر لك في ظاهر أمرهم أنهم يعيشون حياة سعيدة ونحو ذلك، لكن ما هي إلا صورة لا حقيقة لها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لك أبواب الخير ويعينك عليها، وأن يكتب لك النجاح.

وبالله التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات