ابنتي ذكية ولكنها لا تتحدث مع زميلاتها ومعلماتها، فما السبب؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرا على هذا المجهود المبارك.

ابنتي الكبرى عمرها الآن ثلاث سنوات وعشرة أشهر، وتتميز -ما شاء الله لا قوة إلا بالله- منذ صغرها بذكاء وذاكرة لافتين للانتباه، وهذا ما دعاني إلى إلحاقها بمدرسة أزهرية لغات في سن مبكرة.

المشكلة أنها منذ بداية الدراسة وحتى الآن -أي منذ نحو ثلاثة أشهر-، لم تتحدث مع أي معلمة، ولا تستجيب لأي أحد في المدرسة، ولا حتى للأطفال، مع أنها عندما تعود إلى البيت تحكي لنا كل ما حدث في المدرسة، وتذكر كل ما قالته المعلمة والطلبة أيضا، وهي تحب المدرسة، وترغب في الذهاب إليها، ولا تبكي داخل الفصل، وتنفذ بعض الأعمال الورقية فقط دون أي تواصل مع أحد.

وعندما اشتكت المعلمات من عدم استجابتها لهن، ذهبت إلى المدرسة، لكنها لم تتحدث حتى معي في وجود المعلمة، ولم تنطق بحرف واحد، وعندما أخذتها إلى خارج الفصل تحدثت معي، وأكدت لي أنها ستتحدث مع المعلمة عندما ندخل الفصل، ولكن بمجرد دخولنا لا تتكلم، وأشعر أنها تكون متوترة جدا، وأن الأمور تسير نحو الأسوأ.

بعد ذلك أخبرتنا المعلمة أنها عندما تحاول التحدث معها توشك على البكاء، وبدأت تظهر عليها بعض السلوكيات الغريبة، مثل إبعاد وجهها عن الأشخاص الغرباء، لكنها في وجود من تعرفهم تكون طبيعية جدا، بل تتميز بلباقة في الحديث مع الأقارب فقط.

كما أن ابنتي إذا اعتادت على شيء، نجد صعوبة بالغة في تغيير عاداتها، حتى في أبسط الأمور، فهي لا تحب أن يتغير أي شيء من سلوكياتها.

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يحفظ ابنتكم، وأن يقر أعينكم برؤيتها في أتم صحة وعافية، وأن يوفقكم لحسن تربيتها ورعايتها، وقد أحسنتم بملاحظتكم الدقيقة لحالتها وحرصكم على البحث عن أسبابها وسبل التعامل معها، ومن خلال ما ذكرتموه من تفاصيل، يمكن تناول الإجابة وبيان ما يتعلق بهذه الحالة من خلال النقاط التالية:

أولا: طبيعة الحالة التي تعاني منها ابنتكم:
هذه الابنة -حفظها الله تعالى- تعاني من "الصمت الاختياري"، كما تفضلتم بذكره، والصمت الاختياري حالة نشاهدها لدى بعض الأطفال الذين لديهم درجة من القلق، والطفل يعبر عن قلقه بهذه الطريقة، احتجاجا ومحاولة منه للتكيف مع الوضع الذي يمر به.

وهذه الطفلة ما تزال صغيرة في عمرها، ولذلك يرى كثير من خبراء التربية أن سن الأربع سنوات هو الحد الأدنى المناسب للالتحاق بالدراسة أو برياض الأطفال.

ثانيا: سبب المشكلة المحتمل:
لا أقول إن الطفلة قد تعرضت لصدمة معينة، ولكن لا بد أنها مرت بخوف أو رهبة ما، وأصبحت هذه الخبرة راسخة في ذهنها، فوجدت أن الصمت هو الوسيلة التي تمنحها شعورا بالأمان، ومن المهم أن نؤكد أن هذا السلوك ليس تمثيلا ولا تصنعا من جانب الطفلة، وإنما هو تعبير حقيقي عن حالة نفسية تمر بها.

ثالثا: كيفية التعامل معها داخل المدرسة:
يعالج هذا الأمر عادة بتحفيز الطفلة على الكلام وتشجيعها عليه، وأنا أعلم أنكم والمعلمات حاولتم ذلك، ولكن يفضل أن يتم التعامل معها بصورة فردية، بأن تأخذها المعلمة إلى مكان هادئ لفترة من الوقت، وتتحدث معها وتلاعبها وتبني معها علاقة مريحة وآمنة.

ومع مرور الوقت، والإصرار على التشجيع والتحفيز، وإشعارها بالأمان التام، وهو أمر مهم جدا، فإنها -بإذن الله- ستبدأ بالكلام تدريجيا.

كما يفضل أحيانا أن تترك لفترات قصيرة مع بقية الأطفال دون تدخل مباشر من المعلمة أو مراقبة واضحة، فقد تشعر حينها براحة أكبر، وتزول رهبة وجود الكبار، مما يساعدها على التفاعل والكلام.

رابعا: دور الأسرة في المنزل:
يمكنكم أيضا القيام ببعض الأدوار التمثيلية معها في المنزل، بأن تنزلوا إلى عالم الطفولة، وتمثلوا قصة طفل كان صامتا عندما يطلب منه الكلام، ثم بعد التشجيع وتقديم مكافأة بسيطة بدأ يتحدث بفرح وانشراح.

وهذا النوع من الأساليب السلوكية يفيد كثيرا مع الأطفال الذين يعانون من الصمت الاختياري.

خامسا: هل ينبغي التركيز على المشكلة باستمرار؟
يرى بعض الخبراء أن تجاهل المشكلة وعدم التركيز عليها كثيرا قد يكون من أفضل وسائل العلاج، وأن الوضع قد يتحسن تلقائيا مع الوقت. كما أن الإكثار من التشجيع والتحفيز داخل المنزل، دون الإلحاح المستمر على موضوع صمتها في المدرسة، يساعد كثيرا في تجاوز هذه المرحلة. ونحن ندرك أن هذا السلوك يسبب قلقا وانزعاجا للوالدين، لكنه -في الغالب- لا يمثل مشكلة مستعصية، ويتحسن مع الوقت والتعامل الصحيح.

سادسا: البحث عن مصدر القلق:
بعض المختصين يرون أن تحديد مصدر التهديد أو القلق لدى الطفل، والتعامل معه قد يكون مفتاح الحل، إلا أننا في كثير من الحالات لا نجد سببا محددا، أو حادثة واضحة أدت إلى ظهور المشكلة. وأرى أن "قلق الفراق" قد يكون أحد الأسباب المحتملة عند هذه الطفلة، حتى وإن لم تظهر ذلك بشكل واضح، فالأطفال يختلفون في طريقة التعبير عن مشاعرهم عند الابتعاد عن مصادر الأمان، ومن صور هذا التعبير الصمت الاختياري.

بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرا على حرصكم واهتمامكم بابنتكم، ونسأل الله تعالى أن يمن عليها بالعافية والتوفيق، وأن يشرح صدرها، وييسر لها التكيف والاندماج، إنه سميع مجيب.

هذا، وبالله التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات