أثق بنفسي -والحمد لله- لكن لا أثق بالظروف أو بالناس من حولي!

0 121

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحييكم على هذا الموقع الرائع والجهود الجبارة التي تبذلونها لسد حاجات المسلمين واستفساراتهم دون مقابل، وفق منهج شرعي وعلمي رصين من الكتاب والسنة بإذن الله، وفي كل المجالات، وجزاكم الله كل خير.

مشكلتي الكبيرة والتي تعيقني في حياتي كثيرا: أنني أثق -والحمد لله- بقدرتي على إنجاز الأمور، لكنني لا أثق بأنني سأكافأ على ما أبذله من جهد وتفان؛ وبالتالي أقلع عن القيام بالأمر كلية.

على سبيل المثال في الدراسة يمكنني أن أقضي ساعات طويلة فيها، لكني لا أثق أن المدرس سيكون عادلا معي، ويعطيني ما أستحق من درجات، وأشعر أنه ربما يهمل تصحيح الأوراق بضمير كامل، فلا أبذل جهدا كبيرا لعدم ثقتي به.

أيضا في المستقبل أخاف إن كنت متميزا في عملي ومجتهدا فيه أن تحصل لي عوائق تمنعني عن نيل ما أستحق؛ مثل أن يكون مدير الشركة من المدراء الفاشلين الذين لا يقدرون قيمة ما أعمله فلا يكافئونه بالمثل، أو أن يكون هذا المدير يكره أن أترقى بسبب تميزي فيقلل من قيمتي، أو أن يراني متفوقا على قريبه في الشركة فينقلني لقسم أقل من قدراتي، وأيضا أخاف إن تميزت أن يحيك لي زملائي في العمل المؤامرات، ويلفقوا لي التهم كي لا أصعد في عملي، وكل هذا يمنعني عن الاجتهاد، ويجعلني لا أبذل أفضل ما لدي.

الحمد لله أملك بعض المواهب مثل: الكتابة، وأشعر أنني مهما اجتهدت في كتابة أفضل وأروع الكتب والأبحاث أنها لن يكون لها شيوع، ليس لأنها سيئة بل لأن الناس عموما لا يقرؤون أو لا يتذوقون الأدب الراقي، فيضيع تعبي هباء، أو مثلا: إن تعبت في اختراع ما فإنه لن يروج بسبب أن الناس لا يفهمون الهدف منه، أو لعدم ضماني أنه لن يظهر أفضل منه في وقت قصير فيضيع جهدي هباء؛ وبالتالي أترك الاجتهاد من الأساس.

الأمثلة التي رويتها أعلاه ليست تفكيرا سلبيا خياليا، بل هي أمورا واقعية تحدث للناس من حولي، ولا أشك أن حضرتكم تعلمون هذا فكم من مجتهد يضيع جهده وعناؤه بسبب شرار الناس بكيدهم وحسدهم، أو جهالتهم، أو تقلبات الظروف التي لا يملك التحكم بها، فهناك الكثير من العباقرة في التاريخ الذين صنعوا المعجزات، ومع ذلك ماتوا فقراء تعساء لم يسمع بهم أحد.

هذه مشكلتي باختصار: أنني -والحمد لله- عندي ثقة في نفسي، وفي قدرتي على الإنجاز، لكنني لا أثق لا بالناس الذين ربما يكونون جهلة أو أشرار يسيئون إلي، ولا بالظروف التي لا أستطيع التحكم بها، والتي قد يضيع جهد وعناء كامل بسبب تقلباتها، فما قولكم في هذا؟ أرجو أن يكون الجواب مقنعا؛ لأنكم ستحلون بذلك مشكلة عظيمة.

وجزاكم الله كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ هاني حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك "إسلام ويب"، وإنا سعداء بتواصلك معنا، ونسأل الله أن يحفظك من كل مكروه، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به.

وبخصوص ما تفضلت بالسؤال عنه فإننا نحب أن نجيبك من خلال ما يلي:
أولا: نحن نتفهم تماما ما تتحدث عنه، ونوافقك في أن كثيرا من خلق الله لا يعرفهم الناس، ولا تنتشر إبداعاتهم مع علو قدرهم وسعة عقولهم، وهذا أمر نتفق معك فيه، لكن ما نختلف معك فيه هو أثر هذا عليك، فهب أن مدرسا ظلمك في عدم تصحيح الورقة، هل العلاج هو طلب الجهل والركون والركود، أم العلاج بذل الجهد والمطالبة بالحق حتى أحصل عليه؟!

وقد قال شاعر عربي:
ومن يتهيب صعود الجبال*** يعش أبد الدهر بين الحفر.

إن خيار الركود العلمي والتكاسل المعرفي يقودك حتما إلى الحفر، أما الجهد والتحصيل العلمي يقودك حتما إلى تحقيق الذات، وبز الأقران، والثقة بالنفس أحد أهم عوامل النجاح.

ثم قد تقابل من لا يقدرك، وقد تقابل من يقدرك، فلماذا نجعل من الظن حقيقة واقعة؟ وهب أنك قابلت من ظلمك وأنت صاحب نبوغ، هل كل من سيقابلونك مثله؟! وهب أن الجميع حاربوك فوقعت بين الحفر، فأيهم أولى وأشرف لك أن تمكث جاهلا أم عالما؟!

أخي الحبيب: أذكرك أخي بما قاله الإمام الشافعي رحمه الله:

تعلم فليس المرء يولد عالما **** وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده **** صغير إذا التفت عليه الجحافل
وإن صغير القوم إن كان عالما **** كبير إذا ردت إليه المحافل

وأخيرا: الأمور بقدر الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ابذل الجهد واستعن بالله، وأد ما عليك، واعلم أن ربك لا يظلم أحدا، المهم أن تنوي بعلمك وعملك مرضاة الله تعالى، وأن تسقط الشهرة من حسابك، وأن تذبح الناس في قلبك، وألا تربط قلبك إلا بربك.

نسأل الله أن يوفقك، وأن يسعدك، وأن يعلي قدرك، والله المستعان.

مواد ذات صلة

الاستشارات