تسلطت علي وساوس وأفكار عن الماضي، فما الحل لها؟

0 142

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحية خالصة لكم، لما تقدمونه من نصائح وإرشادات في بحر هذا الموقع، والذي يستحق أن نلقبه بالبحر.

أنا شاب متزوج، أعاني من الوسواس القهري منذ ما يقارب 10 سنوات، عشت جميع مراحل الوسواس العدو من النظافة، إلى وسواس الطهارة، وسب ذات الالهية والرسول -والعياذ بالله-، أنا الآن أتناول علاج (بروزاك+ الفافرين+ أولانزابين)، رغم كل هذا كنت أمارس حياتي بشكل طبيعي، بفضل الدواء والتجربة لي مع الوساوس، واستطعت التغلب عليه.

ولكن المشكلة يا سيدي، تسلطت علي فكرة سيئة سيئة جدا، لدرجة أنني لا أستطيع السيطرة عليها، وهي وسواس بتذكيري بمعاص ماضية وقديمة، وبعد مرور ما يقارب من 3 أشهر أو أكثر على هذا الحدث، وصدفة من باب الوسوسة تذكرت الموقف، حيث كنت أسافر في محطات التكسيات، وبينما كنت جالسا في المقهى مع صاحب التكسي نشرب الشاي، مر علينا شخص مجنون قال لي صاحب التكسي: هل تدري ما سبب جنون ذلك الشخص؟ قل: لا، قال: كان كذا وكذا، وأصبح مجنونا في لحظة، فبدأ الوسواس يفتش لي في الماضي، تذكرت ذلك الموقف، مع العلم أنني كلما تذكرت لا أفعل أي شيء، غير أنني أوسوس وأشك.

المشكلة التي أعانيها حاليا يا سيدي هي أن هذه الحادثة تسلطت على تفكيري، فهي لا تفارق ذهني ليلا ونهارا، ولا ثانية واحدة، إلا أثناء النوم، ولكن بمجرد الاستيقاظ يبدأ الشريط يدور في ذهني، ولا يفارقني ولو ثانية واحدة، إلى أن أنام، ثم يأتي اليوم التالي فأدخل في الدائرة المغلقة من جديد، وأنا على هذه الحال منذ أكثر من 6 اشهر.

عندما أرى أي شخص، سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا، أفكر في شيء واحد، هو أنه أحسن مني، حيث لم يقع في الموقف الذي وقعت فيه، فأصبحت أحتقر نفسي كثيرا، وأشعر بتأنيب الضمير، وأجلد ذاتي لدرجة الجنون، وأحس أنني إنسان قذر وغير نظيف.

حاولت الخروج من سيطرة هذه الفكرة على رأسي، بالتقرب من الله، والاستغفار في اليوم الواحد أكثر من 5 آلاف مرة، وبحثت عن كل الآيات والأحاديث التي تتحدث عن التوبة، وعن سعة رحمة الله، مع ذلك لم أفلح في نسيان هذه الحادثة وطردها من تفكيري.

أنا أعلم أن الله غفور رحيم، وممكن أن يغفر لي إذا كان هذا ذنبا، لكن ليست هذه هي المشكلة، وإنما المشكلة أنا في صراع مع ذاتي، ولم أستطع تقبل هذه الفعلة اللعينة لنسيان هذه الحادثة، وبقيت مسيطرة على تفكيري؛ مما دفعني إلى ترك وظيفتي، والتخلي على الرياضة التي كانت جزءا من حياتي، والانزواء في البيت وحيدا منطويا على نفسي، وابتعدت عن الاجتماع مع أصدقائي.

هل ما أعانيه هو عرض من أعراض الكآبة، أو هو وسواس قهري؟ وماذا أفعل لأنسى هذه الحادثة التي شلتني عن الحياة؟ هل العلاج بالصدمات الكهربائية للمخ نافع في نسيانها؟ وهل يوجد دواء معين يمكن إضافته إلى علاجي يفيد في نسيانها؟

صدقني، لو كانت حدود الله قائمة ومطبقة، لذهبت واعترفت على نفسي، كي يقام علي الحد وأرتاح من عذاب الضمير، لأنني أعتبر الموت هو الحل الوحيد لمشكلتي.

فما هو أفضل علاج للوساوس القهري الفكري؟

أفيدوني جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ tal حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

نرحب بك في الشبكة الإسلامية.

أخي الكريم: أفضل علاج للوسواس القهري هو تحقيره من خلال عدم الخوض في تفاصيله أو تحليله أو حواره، الأفكار الوسواسية دائما أفكار حقيرة وسخيفة، وأسوأ ما يمكن أن يحصل ويحدث كثيرا هو أن يسترسل الإنسان فيها، ويحاول أن يجد لها معنى، أو سببا، أو شرحا، أو تبريرا، ويخضعها للمنطق، وهذه إشكالية كبيرة.

لا منطق في الوساوس، لذا وجد أن أفضل شيء هو الإغلاق على فكرة الوسواس من خلال تحقيرها، والتحقير -أيها الفاضل الكريم- يكون من خلال أن تجسد الفكرة، وتضعها أمامك كصورة بصرية، ثم تخاطبها مخاطبة مباشرة: (أنت وسواس حقير، أنت وسواس حقير، أنت ذليل، أنت تحت قدمي، أنا لن أناقشك أبدا)، تكرر هذا بكل قوة وشدة حتى تحس بالإنهاك.

تمرين إيقاف الأفكار بهذه الكيفية إذا أخذ بجدية وطبق على النحو الصحيح يفيد كثيرا، يمارس هذا التمرين ثلاث مرات في اليوم، والتمرين الآخر هو تمرين التنفير، وهذا أيضا تمرين بسيط جدا، تأمل هذه الفكرة الوسواسية، استجلبها إلى تفكيرك، وبعد ذلك قم بإيقاع الألم على نفسك، مثلا أن تضرب يدك بقوة وشدة على سطح قوي وصلب كالطاولة، أو أن تضع الرباط المطاطي -الذي يربط به الأوراق المالية- حول الرسغ وتقوم بجذبه بشدة، ثم تطلق هذا الرباط بقوة وشدة على رسغك لتحس بألم لاسع وشديد، اربط ما بين الألم وما بين الفكرة، يجب أن يكونا في نفس اللحظة والتوقيت.

تكرار هذا التمرين عشرين إلى ثلاثين مرة بمعدل مرتين في اليوم وجد أنه أيضا يضعف الفكرة الوسواسية جدا، وعلماء السلوك وجدوا أن الأشياء المتنافرة لا تلتقي في حيز إنساني أو معرفي أو فكري واحد، الألم شيء ترفضه النفس والوسواس بالرغم من أنه مرفوض من النفس لكنه مستحوذ، لذا نعتبره محببا إلى النفس، لأنه يزيل القلق عن النفس، فحين يتطابق الألم مع الوسواس يضعف تماما الفكرة الوسواسية، إذا فالجأ لهذه الحيل السلوكية فهي مهمة جدا، وممارسة الرياضة، وصرف الانتباه من خلال حسن إدارة الوقت أعتقد أن ذلك أيضا يضعف الوساوس كثيرا.

وبالنسبة لموضوع الكآبة: أربعين إلى خمسين بالمائة من الذين يعانون من الوساوس القهرية قد يصابون بشيء من عسر المزاج، وأنا أعتقد أن نفسك اللوامة متسلطة عليك بعض الشيء، تشعرك بعض الساعات بالذنب، وهذا -إن شاء الله تعالى- كله سوف يزول، -وإن شاء الله تعالى- فيه خير كثير لك.

أنا أريدك أن تعدل قليلا في علاجك الدوائي، (أولانزبين) قد لا يكون الدواء الأنسب، بل هنالك بعض التقارير تشير إلى أنه ربما يزيد من الوساوس، واستبداله (برزبريادون) أو (بإرببرازول)، هذه الأدوية أصلا مضادة للذهان، لكن حين تعطى بجرعة صغيرة تدعم جدا الأدوية المضادة للوساوس، فاستمر على (بروزاك) زائد (فافرين)، وأضعف إليهما (رزبريادون)، بعد أن تتوقف عن (أولانزبين).

أرجو أن تشاور طبيبك في ذلك، جرعة الرزبريادون هي مليجراما واحدا، تتناولها ليلا لمدة شهر، ثم تجعلها مليجرامين ليلا، وتستمر عليها لمدة ستة أشهر، ثم تجعلها مليجرام واحدا ليلا لمدة ستة أشهر أخرى، ثم يمكنك التوقف عن تناوله، وهنالك -أخي الكريم- أيضا دراسات تشير أن (زولفت)، والذي يعرف علميا باسم (سيرترالين)، ربما يكون بديلا جيدا جدا للبروزاك، وكذلك بديلا ممتازا للفافرين.

هذه -إن شاء الله- كلها تفيد، والأمر فيه سعة كبيرة جدا، وأنا أشكرك على رسالتك الطبية هذه، وأسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات