السؤال
السلام عليكم.
أنا امرأة مطلقة، أعيش في منزل العائلة، لدي أخ يبلغ من العمر 26 عاما، عاطل عن العمل، عاق لوالديه، يسب الدين، ويقذف أخواته والجيران، وذو لسان بذيء، ومع ذلك، تحبه الوالدة، وتعادي الجميع من أجله؛ فهي تسب الوالد في غيابه؛ لأنه لا يعطيه المال، وتسبني أنا وأختي لأننا عاملتان ولا نعطيه المال، وتطلب منا توفير ما يحبه هو من طعام وكل شيء، وإلا سنسمع منها كلاما مؤذيا كل يوم، ونحن لا نرد عليها.
تلومنا على أي شيء يحدث له، وتسب أطفال الجيران لأنهم يزعجونه خلال نومه المستمر ليلا ونهارا، علما أننا ساعدناه ماليا كثيرا؛ لأنه دخل في مشكلات قانونية، أما الأب فهو مستسلم للوضع، ولا يدخل المنزل إلا ليلا ليتفادى الصدام معه.
فكيف أتعامل مع الأم؟ وهل رفضي إعطاءها المال لأنها تعطيه لابنها يعد من العقوق؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يفرج عنك، ويعينك على بر والدتك، ويحفظك من الظلم والخصام، ويصلح أخاك ووالدك، ويجمع لأهل بيتكم بين البر والحزم، وأحمد فيك أنك رغم ما تتعرضين له من كلام مؤذ لا تريدين مقابلة الإساءة بالإساءة، وإنما تسألين عن التصرف الشرعي الصحيح؛ وهذه نية طيبة جدا.
مشكلتك تحتاج إلى التفريق بين أمرين:
بر الوالدة، وبين الاستجابة لكل ما تطلبه منك؛ فبر الأم واجب، لكن البر لا يعني أن تكوني ملزمة بتمويل أخيك، أو تنفيذ كل رغباتها، خصوصا إذا كان المال سيستخدم في أمور تزيد المشكلة، أو ترسخ اتكاله على غيره، قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ [العنكبوت: 8]، وقال سبحانه: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: 23)، وفي الوقت نفسه، البر لا يعني طاعة الوالد في كل شيء؛ قال تعالى:﴿وإن جاهداك علىٰ أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: 15].
فحتى مع عدم الطاعة في أمر لا يجوز، يبقى حسن الصحبة، والقول الكريم.
هل رفضك إعطاء المال لوالدتك عقوق؟
ليس بالضرورة، بل قد يكون رفضك إعطاء المال لأخيك من خلال والدتك أمرا جائزا، إذا كنت لا تمنعين عن أمك حقا واجبا عليك، وإنما ترفضين تمويل أخيك، أو الاستجابة لضغطها في هذا الأمر.
هناك فرق بين أن تقولي: لن أعطي أمي شيئا، وبين أن تقولي: يا أمي، أنا أحبك، وأريد خدمتك، وسأساهم في احتياجاتك التي أستطيعها، لكن لا أستطيع أن أستمر في إعطاء المال لأخي بهذه الطريقة؛ فالثاني ليس عقوقا في ذاته، بل يمكن أن يكون وضعا لحد صحي مع بقاء البر، وإذا كانت والدتك محتاجة إلى نفقة ضرورية، وكانت نفقتها واجبة عليك بحسب حالكم وقدرتك، فهذه مسألة أخرى ينبغي تقديرها من حيث القدرة والاحتياج، ووجود من تلزمهم النفقة، والأفضل فيها سؤال عالم موثوق يعرف تفاصيل وضع الأسرة.
المشكلة الأعمق: أن الأسرة أصبحت تدور حول أخيك: يبدو من وصفك أن أخاك أصبح محور البيت: يغضب، فيرضى؛ يطلب المال، فيعطى؛ يسيء، فيتجنب الجميع مواجهته، ثم أصبحت والدتك تضغط على بقية الأسرة لتلبية رغباته، وهنا ينبغي الانتباه: مساعدته في حاجته شيء، وتحويل الأسرة إلى جهة تمويل دائمة له شيء آخر.
إذا كان عاطلا وقادرا على العمل، فالمساعدة ينبغي أن تكون مرتبطة بإصلاح وضعه، لا بتثبيت البطالة والاعتماد على الآخرين.
أما سب الدين، وقذف الناس، وشتم الوالدين، والأخوات، والجيران: فهذه أمور خطيرة، ولا ينبغي التعامل معها وكأنها مجرد عصبية ولد؛ بل تحتاج إلى تدخل جاد من شخص له مكانة وتأثير عليه.
ماذا تفعلين مع والدتك؟
لا تحاولي إقناعها أثناء غضبها بأن ابنها مخطئ، ولا تدخلي معها في معركة حول أخيك كل يوم، بل اختاري وقتا هادئا، وقولي لها كلاما قريبا من هذا: يا أمي، والله ما أريد إلا رضاك، ولا أريد أن أكون عاقة لك، وأعرف أنك تحبين أخي، وتخافين عليه، وأنا أيضا أتمنى أن يصلح الله حاله، لكن يا أمي، أنا تعبت من أن يتحول كل خلاف معه إلى مشكلة بيننا، ومن أن أشعر أنني مطالبة بتوفير كل ما يريده حتى لا تغضبي مني.
أنا مستعدة أن أساعدك أنت فيما تحتاجينه، وأساعد أخي في الشيء الذي أستطيع عليه، وفي حدود قدرتي، لكن لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية مصاريفه كلها، أو أن أعطيه المال كلما طلب، هذا ليس كرها له، ولا عقوقا لك، وإنما لأنني أرى أن استمرار الوضع بهذه الطريقة لا يصلحه، بل يجعله يعتمد علينا أكثر، وأتمنى يا أمي ألا يكون اختلافنا في هذا الأمر سببا للسب أو القطيعة بيننا، فأنا ابنتك، وأريد أن أبقى قريبة منك، وأبرك، حتى لو اختلفنا في طريقة التعامل معه، لعلك بهذا الأسلوب تستميلين قلب أمك، ويتغير شيء من التعامل.
والأهم: أدخلوا شخصا ثالثا: وهذه في رأيي من أهم الخطوات في حالتك، لا تحاولي أنت وأختك حل القضية وحدكما، ولا تتركي الأب في حالة انسحاب كامل، ابحثوا عن شخص يحترمه أخوك، وتسمع له والدتك: عم، خال، جد، أخ كبير، إمام موثوق، أو أحد أفراد العائلة المعروف بالحكمة، ويكون اللقاء بعيدا عن لحظة المشكلة، والهدف ليس محاكمة الأخ، وإنما الاتفاق على خطة واضحة:
1. من يتحمل نفقة الوالدين؟
2. ما الذي ستساعدون به أخاكم؟
3. ما الذي لن تدفعوه له؟
4. ماذا سيفعل مقابل المساعدة؟ كالبحث الجاد عن عمل أو التدريب.
5. من يتولى متابعة مشكلاته القانونية؟
6. ما حدود المقبول في البيت؟ السب، القذف، وإهانة الوالدين لا تصبح مقبولة لأنه غاضب.
7. كيف يتعامل الأب والأم معه دون تدليل مضر أو مواجهة متهورة؟
ويفضل أن تكون هذه الأمور واضحة، ومتفقا عليها، بدل أن تصبح كل مشكلة جديدة سببا لمعركة جديدة.
أختي الكريمة: لا تجعلي برك بأمك مرهونا برضاها عنك، قد تقول لك كلاما جارحا عندما ترفضين إعطاء المال، وهنا لا تجيبيها بالمثل، قولي بهدوء: يا أمي، أنا أحبك، وأحترمك، لكن لا أستطيع أن أعطي هذا المبلغ، ثم توقفي، لا تدخلي في عشرين تبريرا؛ لأن كثرة التبرير أثناء الغضب تفتح أبوابا جديدة للجدال، وإذا بدأت بالسب، يمكنك أن تقولي: أسمعك يا أمي، لكن لا أريد أن نتكلم، ونحن غاضبتان، سأعود إليك عندما نهدأ، ثم ابتعدي بأدب، لا هروبا من البر، وإنما منعا لتطور الموقف إلى عقوق متبادل؛ قال النبي ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه.
أختي: لا تجعلي طلاقك، أو إقامتك في بيت العائلة سببا لشعورك بأنك مطالبة بتحمل كل شيء؛ فأنت ابنة، ولست مسؤولة وحدك عن إصلاح أخيك، وفي الوقت نفسه، لا تجعلي أخطاء أمك سببا لقطعها أو إهانتها، ويمكن أن تكوني بارة بها، وفي الوقت نفسه ترفضي طلبا معينا، وتحافظي على مالك، وتضعي حدودا للكلام المؤذي.
هذا هو التوازن الذي تحتاجه حالتك: بر بلا استسلام للضغط، وحدود بلا عقوق، ومساعدة بلا تمويل للخطأ، ونصح بلا فضيحة أو صدام.
وأقترح بشدة أن يكون تدخل الطرف الثالث قريبا، لأن استمرار الأب في الهروب من المنزل، واستمرار الأم في تغطية أخيك، واستمراركم في تمويله، سيجعل المشكلة مزمنة، ويزيد التوتر بين أفراد الأسرة.
أسأل الله تعالى أن يصلح أخاك ويهديه، وأن يلين قلب والدتك للحق، وأن يعين والدك على القيام بدوره، وأن يحفظك أنت وأختك من أن تتحولا إلى ضحيتين لهذا الاضطراب الأسري، وأن يرزقكم جميعا الحكمة والرحمة والعدل، وأن يجعل بركم بوالدتكم بابا للأجر لا بابا لاستنزافكم وظلمكم، آمين.