السؤال
هل أدت الدراسة الأكاديمية الشرعية الحديثة إلى إضعاف الملكة العلمية لدى طلاب العلم، وإبعادهم عن الحفظ والتأصيل الشرعي المتين؟ وما هي الحلول لذلك؟
هل أدت الدراسة الأكاديمية الشرعية الحديثة إلى إضعاف الملكة العلمية لدى طلاب العلم، وإبعادهم عن الحفظ والتأصيل الشرعي المتين؟ وما هي الحلول لذلك؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية، نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يجعل مقاصدنا في طلب العلم وجهه سبحانه.
هذا السؤال المتخصص يحتاج قبل الإجابة عليه إلى تفكيك بنيته أولا، والنظر في المفاهيم والتقريرات التي وردت فيه، ومن ثم الخلوص إلى النتائج والحلول بشكل مختصر يناسب المقام.
أولا: معنى الملكة العلمية: الملكة العلمية ببساطة هي وصف لصفة راسخة في طالب العلم، تعبر عن القدرة على الفهم العميق، والاستنباط، والتصرف في العلم بمهارة، بحيث لا يقتصر على الحفظ، أو ترديد ونقل النصوص بشكل مجرد، بل يستطيع النظر في الأحكام، ويبتكر الحلول، ويربط بين المعارف في ضوء أصولها، وتنشأ هذه الملكة غالبا من كثرة الممارسة، وطول المدارسة، وتكرار النظر، ومخالطة العلماء، والتدرج في الفهم والتطبيق، حتى تصير عند صاحبها حالا راسخة تمكنه من التصرف في المسائل، والربط بين الأدلة كما يتصرف الحاذق في صنعته.
ثانيا: خصائص وإيجابيات وسلبيات الدراسات الشرعية الأكاديمية الحديثة والتقليدية.
بلا شك أن للدراسة الشرعية الحديثة إيجابيات وسلبيات نحتاج التعرف إليها بشكل مختصر؛ لنتأمل موضع القصور، أو الجوانب الإيجابية، فتتميز الدراسات الشرعية الحديثة، كما تطبق في الجامعات والمعاهد، بخصائص متعددة، يمكن تقسيمها إلى خصائص هيكلية وإدارية، وخصائص منهجية ومعرفية.
أولا: الجوانب الهيكلية والإدارية:
- تبني النموذج الأكاديمي الغربي: تبنت كثير من الجامعات الإسلامية الشكل الأكاديمي الغربي، مثل نظام الساعات المعتمدة والمحاضرات الصفية المنتظمة، وهذا أكسب الدراسة طابعا من التنظيم والانضباط، لكنه في الوقت نفسه أضعف روح التلقي الشفهي، والملازمة العلمية بين الطالب وشيخه، والذي كان له عميق الأثر في تهذيب السلوك وبناء الشخصية العلمية.
- الاعتماد على التقويم الورقي والدرجات الرقمية: صارت الشهادة تمنح بالاختبارات والدرجات، لا بالتزكية العلمية أو إجازة العالم لتلميذه، كما كان قديما، حين كانت الإجازة ثمرة اختبار حقيقي لملكة الفهم والتحرير، وبالتالي يتخرج طالب العلم على قدر عال من الإجادة والاتقان والتميز.
- تحول دور المدرس: غاب في كثير من الأحيان دور الشيخ المربي، وحل محله المدرس الموظف، مما أضعف الجانب التربوي والروحي في العلاقة العلمية، وطغى في كثير من الأحيان الجانب المادي والمهني أكثر من الجانب –الرسالي– الذي يساهم بشكل كبير في الاحتساب والإخلاص، وبالتالي عظم البركة العلمية، والتجرد لله تعالى، وعدم خضوع العالم للإملاءات، أو الضغوط.
-التركيز على الشهادة لا على العلم: أصبح هم كثير من الطلاب نيل الشهادة الأكاديمية (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه)، لأغراض مهنية ووظيفية، بينما ضعف المقصد الأصلي وهو طلب العلم للعمل به، بعد أن كان مسار العلم الشرعي يقتصر على حب التفقه في الدين، ونفع الناس والأجر في الآخرة، يحدوهم في ذلك النصوص الشرعية الكثيرة التي ترغب في العلم وأجره وثوابه عند الله.
- التنظيم المنهجي للمعرفة: من أبرز الإيجابيات أن الدراسة الأكاديمية أسهمت في تنظيم المعارف وتقسيمها بطريقة منهجية تسهل الفهم، خاصة للمبتدئين.
- المرونة في التعلم: من مزايا العصر الحديث سهولة توفير التعليم بأشكال متنوعة ومختلفة، مما يسر الوصول إلى العلم دون قيود الزمان والمكان.
ثانيا: الجوانب المنهجية والمعرفية:
- المنهجية البحثية والنقدية: تميز النظام الأكاديمي الحديث بإعطاء الطالب أدوات البحث العلمي: تنظيم الأفكار، توثيق المصادر، النقد والتحليل، وهي مهارات نافعة جدا في زمن الانفتاح المعرفي.
- الرؤية الشمولية والتكامل المعرفي: من إيجابيات المناهج الحديثة أنها تفتح أمام الطالب آفاقا جديدة، فيتعرف على علوم إنسانية واجتماعية كالقانون، والاقتصاد، وعلم النفس، ويستطيع ربطها بالمقاصد الشرعية، وهذا باب واسع لخدمة الدين بلغة العصر.
- التشتت وضعف التعمق: من السلبيات المنهجية في طريقة الدراسة الحديثة كثرة المقررات، وتنوعها قد يؤدي غالبا إلى المعرفة السطحية، بلا تعمق في فن واحد، فلا ينتج ذلك مثلا فقيها متبحرا، أو محدثا بارعا إلا بجهد كبير، وسنوات طويلة من البحث.
- ضعف الحفظ والاعتماد على الملخصات: قل الاعتماد على المتون والأصول، وكثر التعامل مع الملخصات والمذكرات، مما أفقد الطلاب ثروة لغوية وعلمية عظيمة، وأضعف ذاكرتهم العلمية، وهي ركيزة من ركائز الملكة العلمية.
- غياب التلقي المباشر والتربية الروحية: العلاقة بين الطالب وأستاذه صارت رسمية، محكومة بالجدول الدراسي، لا بروح الملازمة التي تورث الأدب والعلم معا، وقد كان العلماء يقولون: من فاته الأدب مع الشيوخ فاته نصف العلم، وقيل: " إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه ".
أخي الفاضل: لا شك أن لكل منهجية طريقتها الخاصة، والتي تعتبر تطورا معرفيا تراكميا لطريقة التلقي والاستدلال والنظر العلمي، إلا أننا نتفق أن الدراسة الأكاديمية الشرعية الحديثة بصورتها الحالية اليوم -رغم ما فيها من إيجابيات- أسهمت بالفعل في إضعاف الملكة العلمية عند كثير من طلاب العلم؛ لأنها قدمت الشكل والمنهج على المضمون والروح، لكنها في الوقت نفسه قدمت منهجية علمية وتنظيما معرفيا مهما لا ينبغي التفريط فيه أو تجاهل إيجابياته.
وفي سبيل الحلول المقترحة: يمكن أن يجمع طالب العلم بين خير الخيرين، ويدفع عن نفسه أي قصور في الطريقتين من خلال السعي لتحقيق التوازن والتكامل بين المسارين كالتالي:
أولا: الاستفادة من المنهج الأكاديمي الحديث في البحث والتحليل والتنظيم.
ثانيا: المحافظة على روح المنهج التقليدي التراثي في الحفظ والتلقي والملازمة والتزكية.
ختاما: -أخي الفاضل-: المعول الأخير يكون على طالب العلم نفسه لتحويل هذه الوسائل إلى خدم للعلم الحق، فيجمع بين صرامة العقل الأكاديمي الحديث في بناء المعلومة ودقتها، وبين صفاء الروح وحسن المقصد والغاية، وبين الفهم العميق والتحقيق، وبين الدقة البحثية ونور التربية الإيمانية والتزكية.
نسأل الله أن يوفقنا وإياك إلى العلم النافع والعمل الصالح.