العنف والتربية الخاطئة أضعفت شخصيتي، فماذا أفعل؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرا على مجهودكم، وكتب أجركم.

طفولتي لم تكن بشكل صحي؛ فوالدي -الذي هو انعكاس العالم للطفل- كان دائما ما يضربني بشدة عندما أخطئ، ولعل الخطأ لم يكن له ملامح واضحة؛ فيمكن تجنبها، ولم يكن أبي يرى شيئا إيجابيا في البتة، وكنت دائما ما أتعرض للمسائلة والمحاسبة حول أي شيء؛ فلو حصلت على نتيجة كاملة في امتحان العربي، يقول: لماذا أنت فرح؟ من غير الطبيعي أن تحصل على غيرها، ولو حصلت في مادة درجة منخفضة، فإنه يترك النتيجة، ويسألني عن الدرجات الباقية، ويبدأ بإخباري أنه قد وفر كل شيء لي، وأنه دفع المال للمدرسة -في ظنه أن هذا كله تحفيز لي-.

طبعا الخطأ لم يتم التعامل معه بشكل صحي، وإنما كان الحل دائما هو الضرب المبرح، أو اللوم الزائد عن حجم الموقف، وقد حذفت ما كتبت حول الضرب كي لا أكثر الكتابة، ولأن المواقف لا تنتهى أصلا.

هذه النبذة سببت لي ضعفا في الشخصية؛ فقد كنت أتعرض للتنمر بشكل دائم من قبل التلاميذ، وحتى من المعلمين.

ثم عند ما أسميه سن المراهقة -13 عاما- أردت أن أكون رجلا، ولكن بمفهومي أنا، وهو التدخين، وأنه يجب أن أكون قويا لا يستطيع أحد التنمر علي، أو ضربي، وأنه يجب أن يكون لدي المال والأصحاب.

وبالفعل اتخذت هذا الطريق، وكانت ردة فعل أبي عندما رأى ابنه هكذا هي الضرب أو الشتم، وحتى الدعاء علي بعدم التوفيق، والغضب من الله، وأني عار عليه، ..إلخ.

الحمد الله كل شيء انتهى مع قدومي إلى ألمانيا بعمر 17 عاما، فأصبحت لدي شخصية مستقلة، وقمت بصقلها كما أحب أن تكون، كما قمت بالاهتمام بأخي الصغير؛ ساعيا أن أمنحه ما حرمت منه، وكذلك أقوم بالاهتمام بوالدي الذي أصيب بسرطان الرئة، وبوالدتي؛ حيث إنها لا تجيد اللغة الألمانية؛ لذا أسعى لها، وأقوم بالاهتمام بأمور المنزل.

لكن منذ قدومي إلى ألمانيا كان لدي شعور بالحزن لا يتوقف، وكنت لا أفهمه، حتى بلغت من العمر 20 عاما -أي بعد 3 أعوام-، فرأيت أني أكره ضعف والدي، مع أنني لا أنسى الألم الذي عشته بسببه، أحيانا أجد نفسي أبكي دون سبب، وأجد أنني أهرب من الجلوس مع نفسي، وأتذكر الماضي أغلب الوقت.

مزاجي سلبي، ولا رغبة لي بالسعي لأي شيء تجاه نفسي، ودائما ما أقوم بجلد الذات؛ فأنا لا أرى لنفسي خيرا فعلته، ودائما أراها مقصرة تجاه كل شيء.

وكل شيء أقوم به تجاه الغير يكون دافعه أنني أشعر أنه واجب علي، وأنني إن لم أقم به فسوف يعيش أخي ما عشته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرا لك -أخي الكريم- على تواصلك معنا.

بداية أتفق معك على أن ما تعرضت له من قبل والدك من عنف جسدي، وتقليل من شأنك، والامتنان عليك بما قدمه لك، ليس بالأمر السهل، ولكن كما تعلم أن حب الآباء للأبناء حب بالفطرة، وأن أي أب لا يتمنى أن يكون أحدا أفضل أو أحسن منه إلا أبناؤه، وعليه أطلب منك أن تحسن الظن بوالدك، ولنتفق على أنه لم يوفق في الأسلوب والطريقة التي كان يتعامل بها معك، ولكن تظل الفطرة موجودة.

بالإضافة إلى ذلك فهناك جيل من الآباء نشأ وتربي في بيئة كان العقاب الجسدي هو الأسلوب السائد والمتبع فيها لتربية النشء، وهذا الأسلوب شكل ما يعرف بالعقل الجمعي الذي يتفق أفراده على أن المرجعية التربوية لتعديل السلوك هو العقاب، وقد يكون والدك واحد من أبناء هذا الجيل.

ثانيا: ذكرت أنك في عمر (13) سنة -في مرحلة المراهقة- أردت أن تكون رجلا، لكن بمفهومك أنت، واعتقادك أن التدخين هو الذي يمنحك القوة والرجولة، وأنت كذلك لم توفق في اختيار الأسلوب الصحيح الذي يعينك على الوصول إلى معنى ومفهوم الرجولة الحقيقية، فالرجولة تعني: التمسك والالتزام بالأخلاق، والقيم، والثقة بالنفس، والصدق، والأمانة، والقدرة على تحمل الضغوط، والعمل على حلها، وبر الوالدين، وحفظ حقوقهما، ومساعدة الضعيف.

وأنت عشت تجربة كانت مريرة في طفولتك، بمقياسك ومفهومك قد تكون محقا في ذلك؛ لأنك أنت من وطأت جمرة هذه التجربة، ولكن الاستسلام للضعف، والبكاء على الماضي لا يحل المشكلة، بل يمكن أن يشكل عقبة في حياتك توصلك إلى اليأس، وهذا ما لا نتمناه لك، فوالدك الذي كان سببا في معاناتك في مرحلة الطفولة هو الآن في مرحلة الضعف، ومصاب بالسرطان، ويحتاج لوقفتك معه، ومساعدته، وهذه فرصة سانحة لتطبيق معنى الرجولة الحقيقية، وهي مساعدة الضعفاء والمحتاجين.

والآن من هو هذا الشخص الضعيف المحتاج؟ هو والدك! وما أعظم قيمة الوالدية، وكما تعلم أن رضا الوالدين مرتبط برضا الله سبحانه وتعالى، وسببا لتفريج الكرب، وزيادة الرزق، وبوابة لدخول الجنة.

أما فيما يتعلق بتذكر الماضي، والبكاء، وجلد الذات، فهذا الأمر يحتاج منك إلى مقابلة طبيب نفسي، أو معالج نفسي؛ لمساعدتك، والتخفيف من معاناتك.

أسأل الله لك التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات