السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت طالبة متفوقة – والحمد لله – ولكن بعد أن حصلت على هاتف في الصف الأول الثانوي تبدلت حياتي رأسا على عقب، فأصبح الهاتف كل حياتي.
انخفضت درجاتي بسبب إدماني الشديد له، وحتى في الثانوية العامة حاولت بكل الطرق أن أتركه، لكنني لم أفلح؛ مما أدى إلى عدم وصولي إلى كلية أحلامي وهي الطب البشري، ومع ذلك عوضني الله خيرا، وأحمده على دخولي كلية الطب البيطري بدلا عنها.
لكن رغم كل هذه المشاكل، ومع معرفتي التامة أنه سبب ضياع حلمي وكل تعاستي، لا أستطيع تركه، أنا الآن في السنة الأولى من الكلية، وقد أهملت دراستي وراكمتها، وامتحاناتي على الأبواب.
أعلم أنه لو كان أحد غيري لكره الهاتف، وربما تخلص منه، لكنني لا أعلم سبب تعلقي الشديد به، ربما كان ذلك في البداية بسبب بعض المشاكل العائلية التي كادت تؤدي إلى الطلاق، وربما لأنني وجدت فيه مكانا أهرب فيه من الحزن.
مرت أربع سنوات، وحياتي تسرق مني، ولا أريد أن أعيش هكذا، ومع ذلك فأنا أحتاج الهاتف في الترجمة والدراسة أيضا، جربت كل الطرق لتركه ولم أنجح.
وقبل كل هذا، كان الهاتف سبب ابتعادي عن الله، وهذا هو الأسوأ، أصبحت أهمل صلاتي، ولا أذكر الله إلا قليلا، وهجرت القرآن، فأصبحت حياتي ضنكا وأيامي متشابهة، ضيعت أمل عائلتي بي، وكنت سبب خيبة أمل كبيرة لوالدي؛ لأنني الكبرى.
الآن بدأت أحاول أن أعود من جديد؛ بدأت بالقرآن، أحفظ القليل وأراجع ما حفظت، أما صلاتي فأؤديها بلا خشوع، مجرد حركات، بل وصل الأمر إلى وساوس من الشيطان تفتنني في ديني وتوصلني أحيانا إلى الشك، وهو بداية طريق الكفر والعياذ بالله.
أعتذر على الإطالة، لكن الله وحده يعلم مقدار الضيق الذي يملأني وأنا أكتب هذا الكلام الآن، أرجو المساعدة.
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا، ونقدر بصدق شجاعتك في الاعتراف بهذه المشاعر وتوصيف حالتك بهذه الدقة والشفافية.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعيشين صراعا نفسيا وروحيا عميقا؛ بدأ كهروب من مشاكل عائلية عبر بوابة الهاتف، وتحول إلى إدمان سلوكي أثر على مسارك الأكاديمي وعلاقتك بربك؛ مما ولد لديك شعورا بالذنب، واليأس، ووساوس قهرية تشكك في ثوابت الدين.
هذه المشكلة مركبة، ويمكننا تفكيكها، والتعامل معها بحكمة وروية من خلال المحاور التالية:
أولا: ما تمرين به هو حالة كلاسيكية لما يسمى بالهروب النفسي، عقلك في المرحلة الثانوية لم يحتمل الضغط العائلي، فوجد في الهاتف مسكنا للألم، ومع الوقت أدمن العقل هذا المسكن، شعورك بالضيق الآن وكتابتك لهذه الرسالة هو دليل قاطع على أن الضمير الحي بداخلك لا يزال يقظا، وهذه نعمة عظيمة تستوجب الشكر لا الجلد، أنت لست فاشلة، أنت إنسانة تعثرت وتحاول النهوض، والاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة فعلية للحل.
ثانيا: وصفت حالتك بالضنك، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾، لكن، دعينا نؤكد على نقطة جوهرية بخصوص الوساوس والشكوك، وهي أن الشيطان لا يهاجم بيتا خربا، بل يهاجم القلب العامر بالإيمان ليخربه، شعورك بالخوف من الكفر، ونفورك من هذه الوساوس هو بحد ذاته صريح الإيمان كما أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لذا: حين تأتيك هذه الأفكار، لا تحاوريها ولا تناقشيها، بل استعيذي بالله وانتهي فورا، واعلمي أنها ليست منك، بل هي دخيلة عليك.
أما عن الصلاة التي ترينها حركات بلا خشوع، فلا تتركيها، جاهدي نفسك على أدائها حتى لو كانت صورية في البداية، فالخشوع رزق يأتي مع المداومة والمجاهدة، والعمل القليل الدائم خير من المنقطع.
ثالثا: إليك خارطة طريق عملية للتعافي من إدمان الهاتف، بما أنك جربت طرقا كثيرة ولم تفلحي؛ فهذا يعني أنك بحاجة إلى إجبار خارجي وليس فقط قوة إرادة داخلية؛ لأن الإرادة قد استنزفت.
إليك هذه الخطوات العملية:
• بما أن الامتحانات على الأبواب، فلا مجال للتدرج البطيء، سلمي هاتفك الذكي لوالدتك، أو أحد تثقين به فور عودتك من الكلية، واطلبي منهم عدم إعطائه لك إلا ساعة واحدة محددة في اليوم.
• ذكرت أنك تحتاجينه للترجمة، الحل بسيط: استخدمي لابتوبا أو جهاز كمبيوتر غير متصل ببرامج التواصل الاجتماعي، أو احصلي على قاموس ورقي/إلكتروني منفصل، سدي ذرائع الشيطان التي يقنعك بها للإمساك بالهاتف.
• لا تذاكري في الغرفة التي اعتدت فيها على تصفح الهاتف، اذهبي لمكتبة الكلية، أو اجلسي في صالة المنزل أمام الأهل، تغيير المكان يكسر الارتباط الشرطي بين الجلوس والإمساك بالهاتف.
• عندما تشعرين بثقل الدراسة، قولي لنفسك: سأذاكر لمدة 5 دقائق فقط، غالبا بعد البدء ستستمرين؛ لأن أصعب ما في الدراسة هو بدايتها.
رابعا: لا تجعلي الطب البيطري عقوبة لنفسك، بل هو باب خير فتحه الله لك، كم من طبيب بشري تعيس، وكم من بيطري ناجح وسعيد، الرضا بقضاء الله هو مفتاح السكينة.
أما والداك، فإن أفضل اعتذار تقدمينه لهما هو نهوضك من جديد، لا تضيعي وقتك في اجترار الندم والبكاء على ما فات، بل حولي هذه الطاقة السلبية إلى وقود للمذاكرة الآن، بر الوالدين الآن هو أن تنجحي في موادك الحالية.
خامسا: إذا شعرت أن إدمان الهاتف لا يزال قاهرا لإرادتك بشكل يعجزك تماما عن الحياة رغم تطبيق ما سبق، وإذا استمرت الوساوس القهرية بحدة؛ فننصحك بعدم التردد في زيارة طبيب نفسي أو معالج سلوكي، فهذا من الأخذ بالأسباب ولا ينافي التوكل على الله.
أخيرا: تذكري -يا ابنتي- أن الله يفرح بتوبة عبده وعودته، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ابدئي صفحة جديدة من هذه اللحظة، ركزي على صلاتك ودراستك الحالية فقط، ولا تحملي هم المستقبل البعيد.
نسأل الله أن يزيح عن قلبك الغمة، ويشرح صدرك للإيمان، ويرزقك النجاح والفلاح، ويقر عين والديك بصلاح حالك.