تراودني أفكار بأنني لم يعد لي هدف في الحياة بعد أن زوجت أولادي!!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تراودني أفكار بأنني لم يعد لي هدف في الحياة؛ لأنني زوجت أولادي، ولم يعودوا محتاجين إلي، رغم أنهم يحبونني كثيرا، لكن هذه مجرد أفكار، فأنا الآن جالس في البيت، وليس لي سوى شراء طلبات المنزل؛ لأن أولادي مسافرون، وأحيانا أشتري طلبات أولادهم أيضا، ومعي زوجتي التي تعمل مدرسة، وباقي لها أربع سنوات على التقاعد.

أتساءل: هل هذه الأفكار ستظل تسيطر على عقلي؟ وماذا أفعل حتى تخرج هذه الوساوس من رأسي؟ كنت في السابق سعيدا بحياتي، لكن مؤخرا شعرت أنه لم تعد لي قيمة في الحياة، وأن الشيء الوحيد الذي أنتظره هو الموت، لم يعد هناك ما يسعدني كما كان في الماضي، حين كنت أنتظر نجاح أولادي في الجامعة، ثم زواجهم، ثم سفرهم، أشعر أنني قد أديت رسالتي.

أرجوكم، قولوا لي كيف أعيش سعيدا من دون هذه الأفكار التي تعرقل حياتي، وكيف أخرجها من عقلي؟

جزاكم الله خيرا، وشكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ تامر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم: أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويملأ قلبك طمأنينة ورضا، وأن يجزيك عن أبنائك خير الجزاء، فقد أديت أمانة عظيمة، وما زالت حياتك عامرة بالخير والرسالة، ولو تغير شكلها.

ما تصفه ليس حقيقة عن قيمتك، بل أفكار طارئة ناتجة عن فراغ مفاجئ بعد مرحلة عطاء طويلة، أنت لم تفقد قيمتك، بل فقدت الدور اليومي الذي كنت تعيش من أجله، فاختلط الأمر على النفس، فظنت أن انتهاء الدور يعني انتهاء القيمة، وهذا وهم، لا حقيقة.

دعنا نضع الأمور في نصابها الإيماني والعقلي:
- أولا: ما تشعر به سنة من سنن الحياة، لا خلل فيك، حين ينتهي الإنسان من مرحلة كبرى في حياته (تربية الأبناء– تزويجهم– استقرارهم)؛ يحدث فراغ نفسي يسمى فراغ ما بعد الإنجاز، كثير من الآباء الصالحين يمرون به، خاصة إذا كان الأب حاضرا ومجتهدا في رسالته الأسرية مثلك.

وهذا لا يعني أنك أصبحت هامشيا، بل يعني أن الله تعالى ينقلك من رسالة إلى رسالة، ما دمت محتسبا الأجر من ربك تبارك وتعالى، قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾، فحياتك لم تكن عبثا، ولن تكون كذلك، والله تعالى لا ينهي مرحلة إلا ليبدأ أخرى.

- ثانيا: قيمتك لا تقاس بمن يحتاجك الآن، بل بما تركته في الناس، أبناؤك يحبونك، وهذا أعظم دليل أنك كنت أبا حاضرا لا عابرا، نجاحهم، وزواجهم، وسفرهم، كل ذلك جزء من أجرك المستمر، قال ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له"، فأنت –ما دمت حيا– وأبناؤك صالحون، فأجرك يجري، لا يتوقف بإذن الله تعالى.

- ثالثا: فكرة أنك أديت رسالتك ناقصة غير صحيحة، بل هي مكتملة، أنت أديت رسالة عظيمة، لكن الرسالة في الإسلام لا تنتهي حتى تنتهي الأنفاس، الصحابة رضي الله عنهم، والعلماء، والمصلحون، كثير منهم بدأ أثره الحقيقي بعد مرحلة الأبناء، والنبي ﷺ يقول: "خير الناس أنفعهم للناس"، ولم يحدد لذلك عمرا، ولا وظيفة، ولا مرحلة.

- رابعا: لماذا جاءتك فكرة انتظار الموت؟ لأن العقل حين لا يجد معنى يوميا، يبحث عن نهاية، بدل مسار، وهذا ليس حبا للموت، بل هروبا من الفراغ، والعلاج ليس في طرد الفكرة بالقوة، بل في إعطاء العقل معنى جديدا ينشغل به، وهذا يقودنا للنقطة الخامسة.

- خامسا: ماذا تفعل عمليا؟ (وهنا المفتاح)، أنت رجل عطاء وحركة، لا رجل جلوس وانتظار، ولذلك:
• العمل والحركة عبادة في حقك الآن ليس شرطا لوظيفة رسمية، بل أي عمل: (مساعدة في جمعية خيرية، تنظيم مبادرة بسيطة في الحي، متابعة شؤون أسر محتاجة، مرافقة كبار السن أو دعمهم ...الخ)، الحركة تعيد للنفس توازنها، والسكون الطويل يولد الوسواس.

• التعليم: أنت تمتلك تجربة حياة، وأبوة، وصبر؛ لذا أقترح عليك: علم الصغار: معنى الرجولة، قيمة المسؤولية، احترام الوالدين، معنى النجاح الحقيقي، حلقة صغيرة، جلسة أسبوعية، اصطحابهم للمسجد، أو غيرها من الفعاليات ستجد أثرها عليك قبلهم.

• اصنع دورا: لا تنتظر أن يعطى لك، لا تنتظر أن يحتاجك أحد. اختر أن تكون نافعا في أي مكان تحل فيه.

• وساوس القيمة لا تناقش: بل تستبدل حين تأتيك فكرة "لا قيمة لي" لا تجادلها، بل اسأل نفسك فورا: ما العمل النافع الذي سأقوم به الآن؟ ثم قم به مباشرة، ولو كان بسيطا.

وفي الختام: أذكرك بمعنى إيماني عميق في قوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، أي: حتى يأتيك الموت، لا قبله، وقال ﷺ: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" حتى في آخر لحظة...هناك عمل، وهناك معنى.

تذكر أنك لست زائدا عن الحياة، بل الحياة الآن تطلب منك نسخة أعمق من نفسك، تحرك، اعط، علم، شارك، وستجد أن الأفكار تذبل وحدها، ويعود القلب حيا كما كان، بل أنضج وأقوى، أسأل الله تعالى أن يفتح لك باب أثر جديد، ويجعل ما بقي من عمرك خيرا مما مضى، ويكتب لك السكينة والرضا.

مواد ذات صلة

الاستشارات