السؤال
السلام عليكم
أنا فتاة كنت ملتزمة لسنوات، درست وتخرجت، ولم أفكر قط في الدخول في علاقة غير شرعية، وعندما تجاوزت سن 26 دون زواج، بدأت أتعرض لضغط الأقارب وكلامهم الجارح، إذ كانوا يقولون: إنني ساذجة؛ لأني لم أقم بأي علاقة أثناء دراستي، ظلوا على ذلك الحال لسنوات، وكنت أتجاهلهم، لكن بسبب ضعف شخصيتي أثر كلامهم في، في النهاية، وأيضا بسبب ظلم الأهل، خاصة الأم، قررت التعرف عبر الهاتف.
كلما أضفت شخصا، لا يتحدث إلا عن الجنس، وكنت أرفض في البداية، مع العلم أن لدي شهوة جنسية غير عادية، وكلما تقدمت في السن زادت أكثر، لكنني كنت أسيطر عليها بشكل طبيعي، ولم أشاهد الإباحية، أو أفكر في شيء مخل أبدا، لكن لا أعلم كيف غلبتني بعدها، فأصبحت أتهرب وأتجنب قدر المستطاع، ومع ذلك أجد نفسي أتحدث في ذلك الموضوع دون أن أشعر، حتى إنني أرسلت صورا ومقاطع من جسمي ثم أمحوها بسرعة، فلا أترك فرصة لمن أرسلتها له أن يحتفظ بها، ثم أتراجع، لكنني أقع في نفس الخطأ كل مرة، مع أنني لا أنوي ذلك منذ البداية.
لا أعرف كيف تغير تفكيري في تلك اللحظة، وكأنني صرت شخصا آخر، وكنت أرى أنني على حق في حين أنني في طريق الهلاك، من عادتي أن أشارك صديقاتي كل أسراري، وما يحدث في يومي، لكنني انفصلت عن صديقاتي وأهلي، وكل الناس.
عندما لا يكون الهاتف بيدي أنسى ما حدث، وكأنني لم أفعل شيئا، ولا أفكر أصلا فيما فعلت، لكن عندما أبقى وحدي أصير شخصا آخر وأنغمس في الخطأ، ويغيب عن عقلي كل تفكير فيه الصلاح، فتصبح كل تصرفاتي خاطئة.
أخيرا أتتني لحظة إدراك، وكأنني كنت في عالم آخر أو في كابوس، لم أصدق ما فعلت وكيف أخطأت في حق نفسي وظلمتها هكذا، لم أتوقع يوما أن أنحط لهذا المستوى، فقد تصرفت على غير طبيعتي، وأنا في العادة لا أحتمل حتى أن ينظر رجل إلي.
اكتشفت مؤخرا أنني أعاني من سحر التعطيل، وعندما بدأت العلاج لم تعد الشهوة كما كانت، صحيح أنني تبت، لكنني في حالة يأس وحزن، وفي صدمة مما فعلت، كيف تجرأت؟ لقد خنت ثقة أهلي وخنت نفسي قبل أي شخص، سابقا لم أفكر يوما أنني سأفعل مثل هذا، ولو أخبرني أحد بذلك فمن المستحيل أن أصدقه.
حزني ليس خوفا من الله، فأنا أعلم أن الله يعلم صدق توبتي، وأنه سيغفر لي، لكن حزني لأنني لست هكذا، ولا أعرف كيف غاب عقلي وانغمست في الخطأ، أشتاق لنفسي القديمة، عندما كنت صافية الذهن والبال، نظيفة وعفيفة، أخاطب ربي قائلة: لماذا تركتني أفعل هذا؟ لو كنت أفكر بطبيعتي لما فعلت ذلك، يا رب، لو أنك أنزلت علي سخطك وغضبك وابتليتني أشد ابتلاء، أو حرمتني بصري أو أحد أطرافي قبل أن أقع في هذا الخطأ، لو أنك أنقذتني، فهل هذا خطأ؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أختي الكريمة: ما كتبته لا يخرج من قلب ميت، بل من قلب حي تألم حين تعثر، ولو لم يكن فيك خير عظيم لما كان هذا الوجع، ولا هذا الانكسار، ولا هذا الصدق مع النفس، فاهدئي أولا، وثقي بالله تعالى مولاك الذي هو أرحم بك من أقرب الناس إليك.
أختي الكريمة: أنت لم تنقلبي فجأة، ولم تكوني كما تصفين نفسك الآن، ما حصل لم يكن لأنك فاسدة، ولا لأنك خنت الله تعالى، أو أهلك، بل لأنك إنسانة طال عليها الصبر، واجتمع عليها ضغط قاس، ووحدة طويلة، وباب مفتوح بلا حراسة، فغلبتك لحظة ضعف لا أكثر، والله تعالى أعلم بعباده، وهو الذي قال: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}، فما خلق ضعفك ليهلكك به، بل ليقودك إليه إذا رجعت، فأحسني الظن بربك فهو بداية الأوبة والعودة وتبديل الحال.
أريدك أن تفهمي أمرا مهما: الشعور الذي مررت به من “تغير التفكير” و”الانفصال عن ذاتك” ثم الإفاقة والصدمة، هذا ليس انقلاب فطرة، بل غلبة شهوة مع غياب الوعي اللحظي، وهذا يقع حتى من الصالحين، وقد قص الله تعالى علينا خبر من هم خير منا، ثم قال: {إن الله يحب التوابين}، ولم يقل: الذين لم يذنبوا.
اعلمي أن الشيطان لا يبدأ مع الإنسان من باب الفاحشة، بل من باب الشعور بالظلم، ثم الوحدة، ثم الفضفضة، ثم الإقناع بأنك مسيطرة، حتى إذا وقع الذنب قال: أنت انتهيت، ولن تعودي كما كنت، وهذه آخر مكيدة له، وهي أخطرها، ولو كان الله تعالى يريد فضيحتك لفضحك، ولو أراد هلاكك لما أيقظك، ولو لم يقبل توبتك لما أورثك هذا الندم القاسي.
أما قولك: لماذا تركني الله تعالى أفعل هذا؟ فاسمعي جواب القرآن: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}، أي أن الله تعالى يفتح باب التوبة أولا، ثم يوفق العبد لها، لم يتركك، بل أمهلك وسترك، ثم ردك إليه، والنبي ﷺ يقول: إن الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض فلاة، فهل يعقل بعد هذا أن يكون غاضبا عليك وأنت بين يديه منكسرة؟
وأما شعورك بالقذارة وفقدان الصفاء؛ فاعلمي أن الطهارة الحقيقية ليست ماضيا بلا أخطاء، بل هي حاضر صادق مع الله تعالى، كثيرون يعيشون بلا ذنب ظاهر لكن قلوبهم قاسية، وأنت ذنبك أورثك انكسارا ورجوعا، وهذا عند الله تعالى مقام عظيم، والمرء قد يعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، والفرق هو ما يصنعه الذنب في القلب من خشية وعجب، وانكسار وتوبة.
وأما تمنيك أن يبتليك الله تعالى قبل أن تقعي، فهذا كلام موجوع لا مؤاخذة فيه، لكنه ليس صوابا في الفهم؛ ولا ينبغي أن يقع منك مثل هذا الظن بالله تعالى، فالله أرحم بك من أن يكسر جسدك ليحفظ قلبك، وقد حفظ قلبك أصلا، بدليل أنك عدت وتبت وكرهت ما كان.
أما الآن، فالطريق ليس جلد الذات ولا الانسحاب من الحياة، بل إصلاح واقعي هادئ، وأضعه لك بوضوح في مجموعة من الخطوات العملية:
- أولا: أغلقي كل باب أوصلك للذنب بلا استثناء، لا تعارف، لا فضفضة مع رجال، لا مساحات رمادية، ولا حوارات بمسميات مستعارة، الشيطان لا يحتاج منك أكثر من باب تفتحينه ليكمل هو الباقي.
- ثانيا: الهاتف لا يكون معك في الخلوة، ولا قبل النوم، واحذفي أي وسيلة فتحت عليك هذا الطريق، فالنبي ﷺ ذكر أن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ثالثا: لا تحاربي الشهوة بالإنكار، بل بالإدارة؛ صيام نافلة، حركة جسدية، إشغال عقل حقيقي، انشغال بدورات ومهارات، أو أي وسيلة لقضاء الوقت في المفيد والنفع وشغل التفكير والذهن عن باب الشهوة، فالنبي ﷺ قال: ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم فإنه له وجاء.
رابعا: لا تعيشي وحدك نفسيا؛ كوني صداقة مع إنسانة صالحة واحدة، رفيقة بك، رحيمة في تعاملها، ذات دين، ولا داعي لسرد تفاصيل الذنب معها، بل المقصد كسر العزلة، فالعزلة وقود الخطأ، وبوابته التي تعود بك مرة أخرى للذنب، وقد تجدين الصالحات في مراكز القرآن، فخير ما تشغلين به وقتك وعقلك أن تكوني من المهتمات بالقرآن.
خامسا: اجعلي عبادتك عبادة ترميم لا عقاب، قرآن بتدبر، دعاء صادق في السجود، وقولي كما كان النبي ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.
وأختم لك أختي الكريمة بهذه الحقيقة التي أريدك أن تحفظيها جيدا: أنت لم تخوني نفسك، بل أتعبتها، ثم انتبهت لها، والله تعالى لا يخذل عبدا رجع إليه صادقا، عودتك لنفسك القديمة ليست وهما، لكنها ستكون عودة أنضج، وأقرب إلى الله تعالى، وأرحم بذاتك، فثقي بالله تعالى مولاك، واصدقي في طلب التوبة والأوبة إليه: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا).
وفقك الله للرجوع إليه، ورزقك حسن الأوبة والتوبة.