السؤال
السلام عليكم
منذ عام أصبت بتسمم حمل، ومات ابني داخل رحمي في الشهر السابع، فدعوت الله بالعوض واحتسبته عند الله، وبعدها حملت مرة أخرى، ولكن قدر الله أن تحصل ولادة مبكرة، وماتت البنت.
أنا أعلم ومتيقنة أن الله اختار لي الخير، وعلي التسليم، لكن الحزن يكسرني، والآن يصعب علي أن أعود إلى حياتي مرة أخرى، بعد أن كنت أخطط لولادة ابنتي، وكل مكان يذكرني بتلك الذكريات التي كنت فيها في عافية، لا أعلم كيف أصف شعوري، لكنه شعور بالفقد والحزن، وأتذكر أنه منذ وقت قريب كنت أخطط وأنا في عافية.
كيف يمكنني أن أتخطى هذا الألم، وأعود مرة أخرى إلى حياتي الطبيعية وأستمتع بالنعم؟
سؤالي الثاني: أنا الآن في الخامسة والثلاثين من عمري، وعندي طفلان -والحمد لله- وبعد هاتين التجربتين لا أقوى على الحمل مرة أخرى، خصوصا أنني أخاف أن أبتلى مرة أخرى، فهل يجوز التخطيط لعدم الحمل؟ وهل هذا هو الأصح، أم أن علي أن أفكر في الحمل مرة أخرى بعد سنة، مع العلم أن الحمل سيكون عالي الخطورة بسبب ما تعرضت له في الحملين السابقين؟
أرجو منكم النصيحة والدعاء لي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ علا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
حياك الله أختنا الكريمة، وربط الله على قلبك، وجبر كسرك، وجعل ما أصابك رفعة لك في الدرجات وتكفيرا للسيئات، وأبدلك صبرا يملأ قلبك سكينة بعد هذا الألم العميق.
ما مررت به ليس حدثا عابرا يمكن تجاوزه بكلمات بسيطة، بل هو فقد مركب، وألم يتجدد مع الذكرى والمكان والوقت، وفقد الجنين –خاصة في مراحل متقدمة من الحمل– يهز القلب هزا شديدا؛ لأنه لا يحمل ألم الفقد وحده، بل يرافقه حلم لم يكتمل، وتخطيط طويل، وانتظار مشحون بالأمل؛ ولذلك فحزنك مفهوم، ودموعك طبيعية، ولا تتعارض أبدا مع إيمانك، أو تسليمك بقضاء الله، فكم من قلب مؤمن موقن بالله، ومع ذلك ينكسر من شدة الألم!
لقد أحسنت حين احتسبت ولدك وبنتك عند الله، وهذا من أعظم ما يهدى به القلب، فقد صح عن النبي ﷺ أن أطفال المؤمنين في الجنة، وأنهم يكونون سببا في رفعة آبائهم وأمهاتهم، ويشفعون لهم يوم القيامة، وليس هذا عزاء نظريا، بل حقيقة غيبية يرجى أن تكون لك نورا يوم تلقين الله، ومع ذلك، فإن الاحتساب لا يمنع الحزن، والنبي ﷺ نفسه بكى على فقد ابنه إبراهيم وقال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
أما شعورك بأنك لا تستطيعين العودة إلى حياتك كما كانت، وأن كل شيء يذكرك بتلك المرحلة التي كنت فيها في عافية وأمل، فهذا من طبيعة الحزن غير المكتمل، إذ يحتاج الإنسان وقتا ليعيد ترتيب نفسه بعد الصدمة، لا تطلبي من نفسك التعافي السريع، ولا تضغطي على قلبك ليقفز فوق الألم، فالتجاوز الحقيقي لا يكون بالإنكار، بل بالمرور الآمن عبر الحزن، مع السماح للنفس بالبكاء والتعبير والدعاء، ثم التدرج في العودة للحياة شيئا فشيئا.
ومن الناحية النفسية: من المهم أن تعلمي أن ما تمرين به قد يندرج تحت حزن الفقد الطبيعي، وقد يقترب أحيانا من الاكتئاب إذا طال أو اشتد، وهذا لا يعيبك ولا يدل على ضعفك، إن وجدت أن الحزن يمنعك من النوم، أو يسلبك القدرة على الاستمتاع بأي نعمة، أو يجعلك تنعزلين عن من حولك فترات طويلة، فمراجعة مختصة نفسية خطوة حكيمة، تعينك على تفريغ الألم وفهم مشاعرك، وليس في ذلك تعارض مع التوكل أو الرضا.
أما عن استعادة الاستمتاع بالنعم، فهي لا تعني نسيان من فقدت، بل تعني أن تتعايشي مع الذكرى دون أن تشل حياتك.
حاولي ربط الذكرى بالدعاء لا بالحسرة ولوم الذات، وبالشكر على ما بقي بين يديك من نعم عظيمة، وعلى رأسها طفلاك اللذان يحتاجان أما حاضرة بقلبها ووعيها، وقد قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾، ولم يقل: الذين لا يحزنون.
أما سؤالك عن الحمل مستقبلا: فاعلمي أن التخطيط لتأجيل الحمل أو منعه مؤقتا بسبب الخوف المشروع على النفس، أو بسبب خطر طبي معتبر، أمر جائز شرعا، ولا حرج فيه، خاصة إذا قرره الأطباء الثقات، وكان باتفاق الزوجين، فحفظ النفس مقصد من مقاصد الشريعة، وليس في ذلك اعتراض على قدر الله، بل هو من الأخذ بالأسباب، وقد أجاز الفقهاء تنظيم الحمل إذا وجدت حاجة معتبرة أو ضرر متوقع.
وفي الوقت نفسه، ليس مطلوبا منك اتخاذ قرار نهائي الآن، وأنت ما زلت تحت وطأة الحزن والخوف، القرار المتزن يؤخذ بعد أن تهدأ النفس، ويستشار فيه طبيب مختص يوضح لك حجم الخطورة، ويستشار فيه القلب بعد الاستخارة، دون ضغط من المجتمع أو مقارنة مع الآخرين، فإن وجدت بعد مدة أنك قادرة نفسيا وجسديا، وكان الأطباء يطمئنونك بخطة متابعة دقيقة، فالحمل حينها خيار، وإن وجدت أن سلامتك النفسية والجسدية أولى، فعدم الحمل خيار مشروع كذلك، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
نصيحتنا لك أن تمنحي نفسك وقتا كافيا للحزن، وأن تحيطي نفسك بمن يفهم ألمك لا بمن يستعجلك النسيان، وأن تكثري من الدعاء بأن يجبر الله قلبك جبرا يليق بكرمه، وأن يعوضك عوضا يدهشك في دينك ونفسك وأهلك.
نسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يجعل لك من هذا البلاء نورا وأجرا، وأن يكتب لك الطمأنينة والسكينة حيثما كنت.