ألاحظ أن صلواتي بدون خشوع..فهل ما أنا فيه بسبب ذنب؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا و-الحمد لله- محافظة على السنن الرواتب، والضحى، والقرآن، والأذكار ..إلخ، لكنني لاحظت أن أغلب صلواتي بدون خشوع أو بخشوع قليل جدا، كما أنني لا أستيقظ لقيام الليل إلا نادرا، ولا أدري هل هذا بسبب جدول نومي المتقطع أم أن الله حرمني من هذه النعمة بسبب ذنب أذنبته ونسيته؟ رغم أني كل يوم أحاول تجديد التوبة، لكن ربما تكون ناقصة وأنا لا أدري هل هذا طبيعي وجزء من جهاد النفس لأنني لست متعودة على الخشوع وقيام الليل، أم أنه حرمان بسبب ذنب؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منة حفظها الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يتقبل منك طاعتك، وأن يشرح صدرك للطمأنينة، ويقر عينك بالثبات، وحسن الظن به، وما ذكرته في رسالتك يدل على قلب حي حريص، يخاف التقصير ويرجو القبول، وهذه علامة خير، لا علامة حرمان.

أحب أن أؤكد لك أولا أمرا مهما يريح القلب هو: أن ضعف الخشوع أحيانا، أو عدم المواظبة على قيام الليل، لا يعني أن الله تعالى غاضب عليك، ولا أنه حرمك، ولا أنه يعاقبك بذنب سابق.

هذا الربط شائع عند الكثير، لكنه ليس قاعدة شرعية مطردة، فالخشوع نعمة يهبها الله تعالى، تزيد وتنقص، وقد تغيب أحيانا مع بقاء أصل الإيمان وصحة العبادة.

قال الله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، ولم يقل: أكثر خشوعا، ولا أطول قياما، بل أحسن عملا، وإحسان العمل يشمل الصدق، والمجاهدة، والاستمرار، حتى مع وجود الفتور.

بل إن خوفك من التقصير مع محافظتك على الطاعة هو حال الصالحين، لا المقصرين، قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}، ولما سئل النبي ﷺ عنهم؛ قال: هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، ويخافون ألا يقبل منهم، فاجتماع الطاعة مع الخوف دليل حياة قلب، لا دليل بعد.

أما قيام الليل، فهو عبادة عظيمة، لكنه مرتبط بأسباب بشرية واضحة، مثل النوم، والتعب، وضغط اليوم وكثرة الانشغال. وقد راعى الشرع ذلك، فقال النبي ﷺ:إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فعدم الاستيقاظ لقيام الليل مع تعب الجسد أو اضطراب النوم ليس دليل حرمان، بل طبيعة بشرية لا يؤاخذ عليها العبد.

ومع هذا، من المهم أن نكون متوازنين في الفهم: المعاصي – بلا شك – تؤثر على الخشوع، وقد تكون سببا لثقل الصلاة أو فوات قيام الليل، وهذا أمر معروف عند أهل العلم، لكن الخطأ هو أن يفتح الإنسان على نفسه باب الوساوس، فيجعل كل فتور دليل ذنب، وكل تعب علامة بعد عن الله تعالى، هذا يتعب القلب ولا يصلحه.

والأصل هنا أن يجمع العبد بين أمرين: مراجعة نفسه بهدوء إن كان هناك ذنب ظاهر يحتاج إلى توبة، وحسن الظن بالله تعالى، وعدم تنقيب القلق في الماضي، أو تحميل النفس فوق طاقتها.

وفيما يخص التوبة، اعلمي أن التوبة ليست أن يظل الإنسان يعيش في شعور دائم بالذنب، أو يظل يفتش في نفسه عن أخطاء خفية يقلق منها، بل التوبة الشرعية واضحة وبسيطة: ندم صادق، وترك للذنب، وعزم على الاستقامة، ثم إقبال على الله تعالى بقلب مطمئن، وقد علمنا النبي ﷺ دعاء جامعا يريح القلب فقال: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، علانيته وسره، وفيه سعة ورحمة لمن يخشى التقصير ولا يعرف له سببا محددا.

وأما الخشوع، فاعلمي أنه يتحسن وينمو مع الوقت، ومع فهمك للصلاة، ومقاماتها، ومع الهدوء قبلها، والصبر على تحقيقه، وقد تكون بعض الصلوات مجاهدة بلا لذة، ومع ذلك يكون أجرها عظيما، قال بعض السلف: "جاهدت نفسي على الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذت بها عشرين سنة".

لذلك أنصحك عمليا بما يلي:
– التزمي بالقليل الدائم في قيام الليل، ولو ركعتين قبل النوم، فهذا قيام ولا يستهان به.
– احرصي على تنظيم نومك ما استطعت، فصلاح الجسد يعين على حضور القلب.
– توقفي عن ربط كل فتور بذنب، ولا تفتحي على نفسك باب الوساوس، بل استغفري وتقدمي.

وأختم لك بهذه الطمأنينة: لو كان الله تعالى يريد حرمانك، لما أقامك على الفرائض، ولا ألهمك السنن، ولا جعل قلبك يقلق على الخشوع والتوبة، القلق على القرب علامة قرب لا بعد، وما دمت ثابتة، مجاهدة، صادقة، فأنت على خير عظيم، وإن خفي عليك أثره أحيانا.

رزقك الله الاستقامة على طاعته، والطمأنينة بحسن الظن به، والثبات حتى تلقيه وهو راض عنك.

مواد ذات صلة

الاستشارات