الهدوء النفسي بعد موجة الوساوس: هل يعد قبولًا لها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ سنة أصبت بوسواس الشرك -والعياذ بالله-، فكنت أبكي وأرفض هذا الأمر تماما، حتى تأثرت حياتي، ولكنني عدت إلى طبيعتي بفضل التزامي بالصلاة وسننها، وقراءة القرآن.

الآن تعاودني هذه الوساوس وأنا أرفضها وأردد الشهادتين، ولكنني أشعر بهدوء، وأخشى أن يكون هدوئي هذا دليلا على خطأ أو إثم، أو كأنني أتقبل الفكرة بشكل طبيعي.

لا أعلم ماذا أفعل؛ فأنا ملتزمة بفروضي وسنني وقراءة القرآن، وحاليا أنا في امتحانات السنة الدراسية الأخيرة وأشعر بخوف شديد.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ س.أ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأسأل الله تعالى أن يحفظ عليك إيمانك، وأن يربط على قلبك، وأن يجعل ما تمرين به رفعة لك في الدرجات وتكفيرا للسيئات، وأن يختم لك عامك الدراسي بتوفيق وطمأنينة.

أطمئنك ابتداء طمأنينة جازمة لا تردد فيها، أن ما تعانين منه هو وسواس قهري في باب العقيدة، وليس شركا، ولا قربا من الشرك، ولا دليلا على خلل في إيمانك، بل هو من أكثر أنواع الوسواس شيوعا عند الملتزمين والملتزمات؛ لأن الشيطان لا يطرق قلبا خربا، وإنما يستهدف القلوب الحية التي تخاف الله تعالى، وقد جاء النص الصريح الواضح في ذلك، حين شكا الصحابة -رضي الله عنهم- إلى النبي ﷺ أنهم يجدون في أنفسهم خواطر يعظم عليهم مجرد النطق بها، فقال ﷺ: (أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)، وفي رواية: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، فسمى النبي ﷺ هذا الألم والرفض والخوف صريح الإيمان، لا نقيضه؛ لأن القلب الذي يتألم من الفكرة قلب مؤمن حي، ليس بقلب راض، ولا مستسلم.

أما خوفك من الهدوء المصاحب لعودة الوسواس، فاعلمي أن هذا الخوف نفسه من صنيع الوسواس، لا من حقيقة شرعية، فالوسواس يلبس ثوب التدقيق فيقول: لماذا لم تنزعجي مثل قبل؟ لماذا أنت هادئة؟ هل هذا قبول؟ والجواب العقلي الإيماني الواضح: القبول القلبي هو محبة الفكرة أو الاطمئنان لها أو تبنيها، وأنت -بحمد الله تعالى- ترفضينها، وتخافين منها، وتستعيذين بالله، وتحافظين على الصلاة والسنن وقراءة القرآن، فكيف يسمى هذا قبولا؟! إنما الهدوء قد يكون تعودا نفسيا، أو إرهاقا من كثرة المقاومة، أو خفوتا مؤقتا في حدة القلق، وليس علامة رضا ولا خطرا دينيا.

واعلمي أن الشريعة فرقت بوضوح بين الخواطر القهرية وبين الاعتقاد المختار، فقال النبي ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم"، فالخواطر التي تقتحم القلب بغير إرادة، مع الكراهة والرفض، لا مؤاخذة فيها، بل يؤجر صاحبها على مجاهدتها.

ومن الخطأ -الذي يقع فيه كثير من الموسوسين- تحويل الشهادة أو الذكر إلى وسيلة قهرية لمقاومة الوسواس؛ لأن الشيطان يستغل ذلك فيفتح بابا جديدا من الشك: هل قلتها (صح)؟ أعيديها أكثر، لهذا وجه النبي ﷺ توجيها بالغ الحكمة فقال: "فليستعذ بالله، ولينته"، أي: استعاذة مختصرة، ثم إعراض تام، دون نقاش ولا جدال داخلي.

وهنا أصل مهم -أختي الكريمة-: أن الفكرة الوسواسية لا تناقش، ولا يبحث عن الشعور المصاحب لها، ولا يقاس الإيمان بدرجة الانزعاج؛ لأن فحص المشاعر جزء من المرض، لا من التقوى، كلما راقبت خوفك وهدوءك، زاد الوسواس تغلغلا.

ولا يفوتنا ربط ما تمرين به بواقعك الحالي؛ فأنت في ضغط امتحانات، والقلق والإرهاق والخوف من المستقبل بيئة مثالية لعودة الوسواس، وهذا لا يعني انتكاسة إيمانية، بل يعني أن الجهاز العصبي تحت ضغط، والوسواس يظهر حيث يوجد توتر، لا حيث يوجد ضعف دين.

أما الحلول العملية، التي أقترحها لك؛ فألخصها لك بوضوح فيما يلي:

- عند ورود الوسواس: سمي الأمر باسمه في داخلك: (هذا وسواس)، استعيذي بالله تعالى مرة واحدة، ثم اقطعي الفكرة فورا دون رد.
- لا تعيدي الشهادة بقصد دفع الوسواس، ولا تفحصي شعورك: هل أنا خائفة؟ هل أنا هادئة؟ تجاهلي هذا السؤال تماما.
- عودي مباشرة إلى ما بيدك: مذاكرة، صلاة، قراءة، عملا يوميا.
- حافظي على الأذكار اليومية بهدوء دون مبالغة أو طقوس زائدة.
- خففي عن نفسك الضغط الجسدي: نوم كاف، تنفس عميق، حركة خفيفة؛ فالجسد المتعب يغذي القلق.
- وإن لاحظت أن الوسواس يعطل تركيزك أو نومك، فمراجعة مختص نفسي موثوق يفهم الوسواس القهري أمر مشروع شرعا وعقلا، ولا ينافي التوكل ولا الإيمان، بل هو من الأخذ بالأسباب.

وأختم لك بيقين صادق: لو كان في قلبك شر، لما خفت، ولو كان في إيمانك خلل، لما لجأت إلى الله تعالى بهذا الصدق، ولو كان ما تجدينه كفرا -وحاشاك- لما آلمك هذا الألم، إنما هو ابتلاء للمؤمنين الصادقين، ووعد الله تعالى فيه حق: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.

ثقي بالله، وامضي في دراستك مطمئنة، وسيذهب الوسواس -بإذن الله- كما جاء ضعيفا مهزوما، ثبتك الله على مرضاته، وألهمك الصواب.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات