كيف يفهم المؤمن حكمة البلاء في الدنيا؟

0 6

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكتب إليكم وأنا في حالة من الحيرة الشديدة والاضطراب الداخلي، راجيا من الله ثم منكم أن أجد عندكم بيانا يطمئن قلبي ويخرجني مما أنا فيه، وأسأل الله أن يعفو عني إن أخطأت في التعبير أو قصرت في الأدب مع الله سبحانه.

سؤالي يدور حول مسألة العدل الإلهي والابتلاء، وهي مسألة تؤرقني كثيرا في واقعي الذي أعيشه، كيف يمكن أن يتساوى شخصان في المصير النهائي، أو في الأجر، مع أن أحدهما عاش حياة مستقرة نسبيا؛ متمتعا بالعافية الجسدية، والستر في الرزق، والقدرة على العبادة والعمل والزواج، بينما عاش الآخر سنوات طويلة من المرض الشديد، والألم المستمر، والحرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة، حتى أصبح المرض حاجزا بينه وبين العمل والزواج والاستقرار، بل وحتى الإحساس الطبيعي بالسعادة؟

أين يظهر معنى العدل والرحمة في حال إنسان أنهكه البلاء فوق طاقته، حتى قد يصل به الأمر -والعياذ بالله- إلى القنوط أو اليأس، وربما التفكير في إنهاء حياته، لا اعتراضا على الله، بل عجزا وانكسارا من شدة الألم وطول المعاناة؟

أنا أطرح هذا السؤال من واقع أعيشه؛ إذ أعاني منذ زمن طويل من مرض شديد ومزمن لم نجد له علاجا، وقد غير حياتي بالكامل، وسلبني القدرة على أن أعيش حياة طبيعية أو كريمة، ورغم محاولاتي للصبر والتسليم، إلا أن ثقل المعاناة وطولها يضعف قلبي أحيانا، ويجعلني أتساءل: كيف أفهم هذا الابتلاء فهما صحيحا ينسجم مع عدل الله ورحمته، ولا يقودني إلى اليأس؟

أرجو منكم توضيح هذه المسألة توضيحا شرعيا عميقا، يراعي واقع المبتلى، ويعيد التوازن بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين الرحمة الإلهية، حتى أستطيع الثبات دون أن أهزم داخليا.

جزاكم الله خير الجزاء، وبارك في علمكم، ونفع بكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ sappar حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.

أولا: نسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العلى- أن يكشف عنك الكرب، ويصرف عنك الداء، ويشفيك شفاء لا يغادر سقما، ونسأله سبحانه أن يشرح صدرك، ويمدك بالعون والصبر، ويثبتك على الحق والخير.

نشكر لك -أيها الحبيب- تواصلك معنا، ونتفهم ما تعانيه وتعيشه من ضيق وكدر العيش بسبب القدر المكروه، ولكن ينبغي أن تقرأ الأحداث قراءة صحيحة، وتعيش مع حكمة الله -سبحانه وتعالى- وجزائه؛ فإنه -سبحانه وتعالى- لا يقدر شيئا سدى، ولا يفعل شيئا عبثا، تعالى الله -سبحانه وتعالى- عن ذلك، فهو الحكيم الخبير، وهو -سبحانه وتعالى- اللطيف، الذي يوصل الخير إلى عباده بطرق خفية، فكم من قدر مكروه أوصل به هذا الرب الكريم عبده إلى أعلى النعيم وأرفع الدرجات، والمطلوب من الإنسان أن يعيش عارفا بربه، مؤمنا بأنه -سبحانه وتعالى- البر الرحيم، وأنه أرحم بالإنسان من نفسه وأمه وأبيه.

وأنت تقرأ -أيها الحبيب- قصص الأنبياء وما حصل لهم من الابتلاءات الشديدة، وهم أحب الخلق إلى الله تعالى، وأنت تقرأ في قصة المرض على وجه الخصوص قصة أيوب -عليه الصلاة والسلام- وما قدر الله تعالى عليه من البلاء العظيم، حتى قيل في أخباره أنه ابتلي في جميع جسده، فلم يبق إلا لسانه، يسبح الله تعالى به، ويشكره على ما هو فيه، وابتلي بذهاب ماله وبذهاب أهله وأولاده، حتى اضطرت زوجته أن تبيع ضفائر شعرها لتكسب له لقمة العيش التي يحيا بها.

وهذه الأخبار كلها تدلك على أن الله -سبحانه وتعالى- قد يبتلي الإنسان الذي يحبه، وهذا الابتلاء ليس عبثا، وإنما يفعله -سبحانه وتعالى- بحكم بالغة، ومن أعظم هذه الحكم -أيها الحبيب- أنه سبحانه يريد أن يوصل هذا الإنسان إلى درجات من الثواب والجزاء لا يصلها بعمله، فيبتليه ويقدر عليه أقدارا مكروهة، إذا قابلها بالصبر والاحتساب بلغ تلك المراتب ونزل تلك المنازل العالية.

فتذكر -أيها الحبيب- ذلك الثواب الجزيل، تذكر أن لحظة واحدة في الجنة يغمس فيها الإنسان في نعيم الجنة، كما جاء في الحديث: يؤتى بأشد أهل الدنيا بؤسا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط (رواه مسلم)، فلحظة واحدة فقط من نعيم الجنة تنسي هذا الإنسان كل الشدائد التي مرت به.

فإذا جال بخاطرك المقارنة بين إنسانين في هذه الحياة الدنيا، أحدهما يتمتع بالعافية -كما ذكرت في السؤال- وسعة الرزق، والآخر يعيش بلاء وضيقا، فتذكر تفاوتهما في الثواب والجزاء يوم القيامة، فالابتلاء إذا لا يجر إليك إلا خيرا، ولكن إذا قرأت الأمور قراءة صحيحة.

ثم اعلم -أيها الحبيب- أن الله سبحانه هو المالك المتصرف المدبر، وأن هذا الإنسان لا يستطيع أن يدفع عن نفسه هذا الابتلاء بتمرده على الله -سبحانه وتعالى- وبإنكاره لما قدره الله جل شأنه، فالعاقل إذا يدرك تمام الإدراك أن الخير كل الخير في دنياه وفي أخراه في التسليم لأمر الله تعالى، والصبر على ما قدره، وأن يتحول من التسخط والتضجر إلى سؤال الله تعالى أن يكتب له الأجر، وألا يحرمه ثواب هذا البلاء، وأن يصبره عليه، وإذا فعل ذلك حاز ثواب الدنيا والآخرة، ونجح في هذا الاختبار.

ولا يبعد أن يجعل الله -سبحانه وتعالى- هذا النجاح سببا لكشف الضر، كما حصل مع أيوب -عليه الصلاة والسلام- فإنه لما قال: ﴿رب إني مسني ٱلضر وأنت أرحم ٱلرٰحمين﴾ [الأنبياء:83]، استجاب الله تعالى له بعد زمن طويل من الابتلاء، وكانت النجاة والخروج من هذا البلاء بأسباب سهلة يسيرة.

فالله تعالى رحيم، ورحمته قريبة منك -أيها الحبيب-، فلا تيأس، ولا تقنط، واعلم أن الله تعالى سيقدر لك فرجا ومخرجا، وإن طال الأمد، فإنك في نهاية الأمر ستفوز -بإذن الله تعالى- بالفوز والفلاح والعافية.

نسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.

مواد ذات صلة

الاستشارات