السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يراودني كثيرا التساؤل عن السبب وراء عدم اعتكافنا في المساجد، وحفظ القرآن وفهمه، وجعل الحياة الدنيا مقتصرة على العمل الذي يكفي المسلم مؤنة السؤال والاحتياج لغيره.
فهل يوجد سبب وراء الاجتهاد في العمل الدنيوي، بالرغم من أن الآخرة هي مآبنا ومسكننا الأبدي؟ ولو وجد سبب يرجح العمل بجد واجتهاد في الدنيا، مع عدم ترك أمور الآخرة، فكيف تكون النسبة والتناسب بين الدنيا والآخرة؟ كي لا نعطي جانبا قدرا أكبر من قدره.
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أخي الكريم: جميل أن تطرح مثل هذه التساؤلات، وأن تبحث عن إجابات شافية، فهذا يدل على نفس شغوفة بالعلم والمعرفة، وحريصة على الفهم الصحيح للدين، ولتوضيح هذا الأمر بطريقة سهلة وبسيطة، نضع بين يديك مجموعة من المفاهيم والتفسيرات التي تعينك على فهم هذه القضايا.
أولا: مكانة الدنيا في حياة المؤمن:
كثيرا ما ينظر إلى الدنيا نظرة سلبية، على أنها سبب الانشغال عن الله تعالى، وعن كل ما يقرب إلى الآخرة، وهذه النظرة السلبية ناتجة عن غياب التوازن والعدل، وعن نسيان الدور الحقيقي للدنيا ومكانتها مقارنة بالآخرة، فالله تعالى لم يذم الدنيا في كتابه إلا في سياق المقارنة بينها وبين الآخرة، أو في سياق الانشغال بها عن الأخرة، قال تعالى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ۚ وفرحوا بالحياة الدنيا ۚ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾، أما الدنيا في ذاتها، فهي دار العمل والاجتهاد في طاعة الله، وهي ساحة التنافس في الخيرات، والبر، والإحسان، وهي الموضع الذي يتزود فيه العبد لرفعة الدرجات، وبدون الدنيا ينقطع عمل الآخرة.
ثانيا: الدين توازن بين عبادات ومعاملات وعقائد:
الدين يقوم على ثلاثة مكونات كبرى: العبادات، والمعاملات، والعقائد، والتوازن بين هذه الجوانب الثلاثة هو الذي يشكل الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، فحياة المؤمن فيها جانب العبادات، المتمثل في الفرائض، والنوافل، والذكر، وسائر الطاعات، وهي مجال للتنافس والإكثار، وفيها جانب المعاملات، وهو جزء عظيم من الدين، يرتبط بتعامل المسلم مع الآخرين، وحسن علاقته بهم، وتحقيقه لآثار الإيمان في تعامله معهم، وهو باب واسع من أبواب رفعة الدرجات، وقد يفوق في أجره كثيرا من العبادات، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بقوله: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، وهناك جانب العقيدة، وهو ما يتعلق بإيمان العبد بربه، واعتقاده الصحيح فيه، وهذه الجوانب الثلاثة مجتمعة تشكل دين المسلم المتكامل.
ثالثا: دور المسلم في الدنيا:
الإسلام ليس دين رهبنة، وليس دينا يخدم الدنيا فقط، وإنما هو دين توازن واعتدال بين متطلبات النفس، والحياة، والمجتمع، ولذلك جعل الله دين الإسلام هو الدين الخاتم القادر على إدارة شؤون الحياة كلها، وعندما يتجاهل المسلم هذا التوازن، وينقطع عن الدنيا بدعوى التفرغ للآخرة فقط، فإنه يخل بهذا الميزان، ويوضح ذلك قصة الثلاثة النفر الذين جاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فارشدهم إلى التوزان الصحيح الذي يحقق مقاصد الشريعة.
رابعا: فهم النبي والصحابة لحقيقة الدنيا:
سمى الله تعالى الدنيا متاعا، فمن ضعف إيمانه وجعلها غايته ونهاية قصده، فذلك لضعف فهمه، وقلة ديانته، وضعف معرفته بحقيقتها، وفي أمثال هؤلاء يقول تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ۗ ذٰلك متاع الحياة الدنيا ۖ والله عنده حسن المآب)، ولهذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- أعمال الدنيا مطية للآخرة، فكانت نياتهم في كل عمل دنيوي متجهة إلى التقرب من الله، وزيادة رصيد الحسنات.
فمن لديه مال فتح عليه من باب الصدقة ما لا يفتح على غيره، والمال لا يأتي من الاعتكاف في المسجد، وإنما بالتجارة من الصادق الأمين الذي يخاف الله ويرجو الآخرة بالكسب الحلال، وهذا باب خير وتنافس يحقق مقاصد التراحم والتآخي في المجتمع، وهو من مقاصد الشرع العظيم، فقد جاء في الحديث أن ناسا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر).
خامسا: النية والقصد تحددان المقدار والنسبة: أما ما يتعلق بالمقدار، أو النسبة بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فإن ما ذكر سابقا يوضح أن كل عمل يراد به وجه الله فهو عمل للآخرة، وهذا واضح وصريح في كتاب الله، قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، فيمكن للأعمال الدنيوية البحتة، بصلاح النية، أن تكون سببا في رفعة الدرجات، وكل ذلك مرهون بصدق النية وإخلاصها لله تعالى، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فمن سعى في أي عمل من أعمال الدنيا يمكنه بصلاح النية أن يجعله قربة لله تعالى وأجرا وحسنات، وبفساد النية لا يؤجر عليه.
أخي الفاضل: بمجرد أن تصبح الدنيا سببا في نسيان الآخرة، والتفريط في الفرائض والعبادات، وتجاهل الشرع وأحكامه، هنا تصبح الدنيا فتنة وغرورا، وصاحبها على خطر، قال تعالى: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون﴾.
أخيرا: أخي الكريم، من مقاصد الشريعة عمارة الدنيا بالخير، ولا يتحقق ذلك إلا بمنهج رباني وتشريع إلهي، يوازن بين الجانب الروحي، والتعبدي، والأخلاقي، وهو ما حققه الإسلام بأروع صورة، قال الله تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾، وقال تعالى في قصة قارون: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ۖ إن الله لا يحب المفسدين﴾ وعندما يفقد هذا التوازن يحدث الخلل، فيحصر الدين في زاوية التعبد فقط، وهذا ما حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة).
ثم اعلم، أخي الكريم -وفقك الله-، أن كل إنسان ميسر لما خلق له، فهناك من يبدع في العبادات، وهناك من يبدع في الأخلاق والإحسان للخلق، وهناك من يفتح الله له في أبواب أخرى، وكل ذلك يشكل تكاملا وتوازنا بديعا يحقق مقاصد الشريعة واستعمار الأرض بالخير.
نسأل الله أن نكون قد وفقنا في بيان جانب مما أشكل عليك، وفقك الله، ويسر أمرك.