السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا طالبة في المرحلة الأخيرة من الثانوية، متفوقة ومجتهدة في دراستي، ودائما أكون من الأوائل على مستوى مدرستي والإدارة التعليمية.
رغم ذلك، كنت لا أصلي ولا أدعو الله، ولم أكن قريبة منه، وكنت أستمع إلى الأغاني ليلا ونهارا حتى أثناء الدراسة، ولا أطيق حياتي دونها، حتى إنني كنت أبكي إذا لم أستمع إليها.
لكن الآن، بفضل الله ثم بفضلكم، عرفت أصول ديني، وأصبحت أصلي -ليس جميع الفروض بصراحة، لكنني أحاول أن أنتظم- وأدعو الله.
كنت أظن أنه لن يحدث فرق في مستواي الدراسي سواء صليت أم لا؛ لأن لدي أصدقاء نصارى أكبر مني متفوقين، والتحقوا بكلية الطب في مصر أو حصلوا على منح في دول أوروبية، كنت أقول: هم بالنسبة لله كفار، ومع ذلك دخلوا كلية الطب، فكيف لا أستطيع أنا المسلمة أن ألتحق بها أيضا، بل وأكون أفضل منهم؟ حتى أن هناك كثيرا من الأجانب لا يعرفون الله، ومع ذلك يدخلون كليات قمة وهم لا يصلون أصلا، فكيف يساوي الله من يصلي ويتقيه بمن لا يعرفه أساسا في الوصول إلى أحلامه؟
في الوقت نفسه، لدي قريب أكبر مني بسنة، كان متفوقا جدا ويذاكر بجد، وكل العائلة كانت متيقنة أنه سيلتحق بكلية الطب، وقد دخلها فعلا، رغم أنه كان يتحدث مع بنات كثر ويخرج معهم، لكنه كان يصلي ويدعو الله.
السؤال: هل يجزي الله العبد على سعيه للوصول، حتى لو لم تكن علاقته بالله جيدة؟ حتى لو لم يتق الله أو يصل أو يدعو؟ وهل أكون أنا وقريبي من الذين قال الله عنهم: "والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون"، وقوله: "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ"، "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"؟
وكيف أحرص على أن تكون علاقتي جيدة مع الله، حتى يرضيني ويحقق لي ما أريد، حتى لو لم يكن سعيي كافيا؟
وشكرا مقدما.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زينة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يزيدك توفيقا وسدادا، سؤالك عميق بالنسبة لحداثة سنك، وهذا بحد ذاته نعمة من الله وتوفيق ودليل نبوغ، نسأل الله أن يزيدك من فضله.
ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:
أولا: هل يجزي الله العبد على سعيه الدنيوي، ولو لم يكن قريبا من الله؟
نعم، هذه سنة إلهية ثابتة لا تتبدل، وهي أن الدنيا تعطى بالأسباب، لا بالإيمان وحده، ولا بالكفر وحده، قال الله تعالى: ﴿كلا نمد هٰؤلاء وهٰؤلاء من عطاء ربك ۖ وما كان عطاء ربك محظورا﴾، أي أن الله يمد: المؤمن والكافر، المطيع والعاصي، المسلم وغير المسلم، في أمور الدنيا: علم، دراسة، مال، منصب، نجاح على قدر بذله الأسباب الموجبة لذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾، فمن سعى بجد، وأخذ بالأسباب، غالبا يصل، ولو لم يكن على علاقة جيدة مع الله.
ثانيا: إذن ما الفرق بين من يعرف الله ومن لا يعرفه؟
الفرق ليس دائما في النتيجة الدنيوية، بل في: الأجر على الفعل ولو كان دنيويا، فالعبد الصالح إذا ذاكر بنية تحصيل العلوم لنفع نفسه والمسلمين كان له أجر التحصيل حسنات تكتب له عند الله، بخلاف غيره ممن ليست له نية أو له نية فاسدة أو كان غير مسلم، هذا بالإضافة إلى الطمأنينة التي يجدها المؤمن حتى مع الابتلاء فإنه يعلم أنه مأجور على كل حال، وأعظم الفوارق ما كان في العاقبة في الدار الآخرة: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، فالحياة الطيبة ليست شهادة ولا كلية قمة فقط، بل: راحة قلب، ثبات عند الشدائد، وسلام نفسي، فكم من متفوق منهار من الداخل! وكم من ناجح تعيس لا ينام!
ثالثا: هل ما يحدث لهؤلاء استدراج كما في الآيات التي ذكرتها؟
الاستدراج ليس كل نعمة مع معصية، وهذه نقطة مهمة جدا، قال الله تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾، الاستدراج يكون عندما: تفتح الدنيا، ويزداد العبد بعدا، ويزداد طغيانا، ولا يرجع ولا يتوب ولا يشعر بخوف، لكن: طالب اجتهد ونجح؟ هذا سنة سببية تعطى لمن بذل السبب مسلما كان أم غير مسلم.
رابعا: ماذا عن قريبك الذي يصلي، لكنه يخطئ؟
هو أخذ بالأسباب من ناحية، وعصى الله من ناحية أخرى، والله حكم عدل، لكن هذا لا يعني أنه لن يحاسب على ما فرط فيه في حق الله تعالى إلا أن يتوب .
خامسا: سؤالك الأهم: كيف أكون قريبة من الله ليرضيني ويعطيني ما أريد؟
أول ما ينبغي أن نخبرك به أن الله لا يتقرب إليه ليكون أداة لتحقيق الأحلام فقط، بل يتقرب إليه؛ لأنه الله؛ لأنه مستحق للعبودية؛ ولأن المسلم مطالب حتى يحظى بمرضاته فعل ما عليه والابتعاد عما نهى الله عنه، والله من فضله يعطيه الجنة على ما قدم من خير، كما أن من رحمة الله على العبد أنه إذا رضي عنه أعطاه، أو صرف عنه ما يضره، أو عوضه بما هو خير، قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾
سادسا: خطوات عملية تناسب سنك ووضعك:
- ابدئي بتوبة صادقة: اتركي الذنوب، ومنها الأغاني ، واندمي عليها، واعزمي بصدق ألا تعودي إليها قال تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾.
- قدمي الفرائض على كل شيء: حافظي على الصلاة في وقتها، وبر الوالدين، وترك الحرام الظاهر والباطن؛ فبها يبدأ رضا الله، قال الله في الحديث القدسي: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه.
- الزمي النوافل الثابتة ولو قليلة: كالوتر، والسنن الرواتب، وصيام الاثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر، قال ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
- اجعلي لك وردا يوميا من القرآن بتدبر ولو قليلا، ولو صفحة واحدة، مع فهم المعنى ومحاولة العمل به؛ فالقرآن حياة القلوب، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾.
- داومي على الذكر والاستغفار: أذكار الصباح والمساء، وكثرة قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر اللهـ قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
- اقطعي أسباب ضعف الإيمان.
- ابتعدي عن رفقة السوء، ومواطن الفتنة، والنظر المحرم، والإفراط في وسائل التواصل، وكل ما يجرك للمعصية.
- صاحبي الصالحات: اختاري صديقة تعينك على الصلاة والذكر والطاعة، وتذكرك بالله إذا ضعفت، قال تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾.
- أكثري من أعمال الرحمة: صدقة ولو يسيرة، بر، إحسان، مساعدة محتاج؛ فهذه الأعمال تلين القلب وترضي الله، قال تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾.
- راقبي قلبك وجددي نيتك: اسألي نفسك دائما: هل أفعل هذا لله؟ واطلبي القبول، فالإخلاص روح العمل.
- اختمي يومك بالمحاسبة والدعاء: راجعي يومك بهدوء، استغفري عن التقصير، واشكري الله على التوفيق، ومن الدعاء: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.
وختاما: إذا تركت الحرام، وحافظت على الفرائض، وداومت على قرآن وذكر، وصحبة صالحة، وصبرت على ذلك؛ فإن الإيمان يعود، ورضا الله قريب بإذن الله.
نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.