السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من اضطرابات كثيرة، ومن سيل من المعاصي، لا سيما المواقع الإباحية التي تسيطر علي بطريقة غير عادية.
أريد حلولا لترك هذه العادة نهائيا؛ علما بأنني أصلي، وأقيم الليل إن استطعت، وأصوم يومي الاثنين والخميس، لكن ذلك لا يفلح في بعض الأحيان، إنها تؤثر على دراستي وعملي؛ مما يجعلني أكره نفسي إلى حد كبير.
أشعر بالإرهاق، وخاصة أن الوحدة من أسباب تدميري، حتى العمل أواجه مشكلة فيه، وأرجح أن ذلك بسبب الذنوب، في بعض الأحيان أفكر في ترك الجامعة؛ لأنني مهمل للغاية، وقد رسبت في "ملاحق" سابقا.
أرجو مساعدتي؛ فقد أتيتكم أريد الاستقامة، وقد يكون سبب عدم توفيقي في عملي هذه الذنوب الكثيرة، لكنني والله أريد طريق الله ولا سواه، ساعدوني، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ تامر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونحيي المشاعر التي دفعتك للسؤال، ونؤكد أن المعاصي لها أثر كبير على حياة الإنسان، قال ابن عباس: وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق، ومن الأرزاق العلم النافع، وقال مالك للشافعي: إني أرى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية" قال ابن مسعود: "كنا نحدث أن الخطيئة تنسي العلم"، وقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نور ** ونور الله لا يهدى لعاصي
وبشرى لك يا طالب التوبة والرجوع إلى الله -تبارك وتعالى- نبشرك بأن (التوبة تجب ما قبلها)، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونبشرك بأن العظيم التواب ما سمى نفسه توابا إلا ليتوب علينا، وما سمى نفسه رحيما إلا ليرحمنا، وأن باب التوبة مفتوح، ورحمة الرحيم تغدو وتروح، وأنه قال في الحديث القدسي: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة.
ولكن مع ذلك نحذرك من التمادي؛ فإن العظيم يستر على الإنسان ويستر عليه، فإذا تمادى في المعصية ولبس لها لبوسها خذله وهتك ستره، وحال بينه وبين الرجوع إليه -عياذا بالله- فتدارك نفسك، ولا تسوف، واعلم أن الإنسان لا يدري متى تنخرم به لحظات العمر، وتذكر أنك تعصي العظيم الذي يعلم السر وأخفى.
والإنسان -مهما كانت المعصية- ينبغي أن ينظر إلى عظمة العظيم الذي يعصيه، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على تجاوز هذه الخطايا، ذنوب الخلوات هي أسوأ أنواع الذنوب، فتجنب أن تكون وحدك، فإن الشيطان مع الواحد، وابحث عن رفقة صالحة تذكرك بالله إذا نسيت، وتعينك على طاعة الله إذا ذكرت، وإذا كنت وحدك فاجعل كتاب الله أنيسك؛ فإنه جليس لا يمل، وصاحب لا يغش، وما جالس أحد هذا الكتاب إلا قام عنه بزيادة.
وتذكر أن الإباحية سبب لهلاك الإنسان، وسبب لتشتيت عقله، وسبب لتضييع خشوعه في صلاته، وسبب لإلحاق الضرر بصحته، وسبب لمنعه من النوم والراحة، وقد قال الله تعالى: ﴿ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
وأرجو أن تحول هذه الرغبة الأكيدة إلى عمل، واعلم أن التوبة النصوح المقبولة عند الله هي التي يكون فيها الصدق مع الله، فحذار من توبة الكذابين، وهي أن يتوب الإنسان باللسان ويظل القلب متشوقا للمعصية، متذكرا لأيامها، فخورا بذكرياتها.
عليك أيضا بالإخلاص لله، أن تجعل هذه التوبة لله وحده، ليس لأجل كذا، ولا خوفا من فضيحة، ولا لأجل نجاح، ولكن اجعلها لله، فإذا جعلتها لله جاءك النجاح وجاءك الفلاح وجاءك الاستقرار، فأخلص فيها لله، ثم تذكر أن من شروط التوبة: التوقف عن الخطيئة، ثم من شروطها: العزم على عدم العود، ثم من شروطها: الندم على ما حصل، فإن كان هناك حق لآدمي فلا بد أن ترد الحقوق إذا كان بالإمكان ردها، والاستغفار لأصحابها.
فإذا الإنسان لا بد أن يستكمل هذه الشرائط، ثم عليك بعد ذلك أن تكثر من الحسنات الماحية، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وتذكر التوجيه لقاتل المئة، حين وجه بأن قيل له: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، كذلك أنت، أنت بحاجة إلى أن تهجر بيئة المعصية ورفقة المعصية.
كذلك أيضا من المهم جدا التخلص من آثارها: بإغلاق المواقع، والتخلص من الأرقام، والصور، والذكريات، كل ما يذكرك بالمعصية؛ هذا دليل على الصدق في التوبة، وهو عون على الثبات على طريقها، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يتوب علينا وعليك.
وأرجو أن تحول هذا الكلام إلى ممارسات وطاعات لله -تبارك وتعالى- ونكرر لك البشارة بأن التوبة تجب ما قبلها، وأن الله -تبارك وتعالى- ما سمى نفسه توابا إلا ليتوب علينا، فعجل بالدخول في رحمة ربنا الرحيم، وأشغل نفسك بالمفيد، وتواصل مع موقعك، واستر على نفسك، وتجنب المعاصي، واجعل هذه التوبة بينك وبين الله، وأبشر بالخير من الله.
نسأل الله لنا ولك التوفيق.