أتوب إلى الله لكن سرعان ما أعود إلى ذنوب الخلوات دون شعور!

0 1

السؤال

أنا شاب متزوج أبلغ من العمر 40 سنة، أريد أن أعبر عما يدور بداخلي من صراعات وتحديات وتساؤلات، ولعلي أجد حلا في موقعكم المحترم.

أدرك أن كثرة المعاصي والذنوب تؤدي إلى قسوة القلب، وخاصة ذنوب الخلوات، وهذه مشكلة، لكن مشكلتي الأكبر، والتي لا أجد لها حلا إلى الآن، أنني في أغلب الأحيان أتوب إلى الله وأستغفره، لكن سرعان ما أعود إلى ذنوب الخلوات دون شعور، وكأنها إدمان.

كل محاولاتي للتقرب إلى الله باءت بالفشل، قيل عن قيام الليل إنه دأب الصالحين، لكن تجربتي معه لم تحقق أدنى تقدم، بكائي ودعواتي لله لم تجد نفعا، وذكر الله وذهابي إلى العمرة لم يجد نفعا كذلك.

ومع ذلك لم أقطع الأمل من الله ولم أيأس، برغم كل المعاصي وذنوب الخلوات التي اقترفتها، إلا أنني دائما أسأل نفسي: متى يهديني الله؟ متى يوفقني الله؟ هو يعلم أنني أريد التوفيق منه، لكنني أشعر أنه لا يلتفت إلي أبدا، وكأنه غاضب مني، أشعر أنه لا يقبل طاعتي، ولا توبتي، ولا استغفاري، ولا دعائي، ولا قيامي الليل، ولا بكائي، وكأنني تائه أعيش حياة الأنعام: أكل، وشرب، ونوم، وإشباع للنفس، وبرغم كل هذا، لم أخط خطوة إلى الأمام نحو الله، ودليل ذلك إدماني على ذنوب الخلوات، ويا له من ابتلاء عظيم ابتليت به.

لماذا؟ أنا أريد التوبة النصوح، أريد الهداية، أريد التوفيق، أريد أن أكون من المقربين، من الصالحين، أريد من الله أن يدفعني ولو خطوة واحدة إلى الأمام فقط، فهل هذه الأمنيات وحدها تكفي؟

لماذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أشد أعداء الإسلام ثم وفقه الله للهداية؟ وخالد بن الوليد وعكرمة وغيرهم من الصحابة حسن إسلامهم، وأصبحوا من المهتدين؟ بل هناك من الكفار في وقتنا هذا اهتدوا إلى الإسلام، وأنا مسلم ولم أستطع ترك هذه الذنوب!

أصبحت حياتي كلها فشلا ومللا وروتينا دون حلاوة تذكر، أين أجد هذه الحلاوة؟ أين أجد هذه الراحة؟ أين هو الحل؟ لقد جربت كل شيء ولم أستطع الاستمرار والمداومة، ومع ذلك، أكرر: رغم صعوبة الأمر، ما زلت أطمع في أمل من ربي، ولعلي أستيقظ يوما فأجد نفسي قد تغيرت 360 درجة.

ما أقوله لكم هو أنني أواجه صراعا داخليا نتيجته انهزام، أدركت أنني لا أستطيع تغيير نفسي بكل ما أوتيت من قوة، وقد علقت الأمل في الله دون اتخاذ أي سبب مني مستقبلا.

ولهذا أرسلت إليكم مشكلتي حتى أجد من يفهمني، وينصحني، ويدلني على علاج لحالتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك أخي الكريم، وما تعانيه من أمور تغيرت عليك فجوابي لك كالآتي:

أولا: ذنوب الخلوات جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأعلمن أقواما يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

ويقول العلماء: الحذر الحذر من الذنوب، خصوصا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، فليصلح العبد ما بينه وبين الله تعالى ليصلح الله أحواله.

ثانيا: مشكلتك التي تبحث عن حل لها، وهو ما ذكرته في رسالتك أنك في أغلب الحالات تتوب إلى الله تعالى وتستغفره، ثم سرعان ما ترجع إلى ذنوب الخلوات، وجوابه: مهما ابتلي الإنسان بمعصية، فإنه بمجرد التوبة النصوح يتوب الله عليه، وكلما أحدث الإنسان ذنبا أو معصية أحدث لها توبة، قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) [النور:31] وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم رواه مسلم.

ومهما كانت ذنوب الإنسان، فإن عفو الله تعالى أعظم، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر:53]، وقال تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) [الشورى:25]، وقال صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له (صحيح ابن ماجه).

ثالثا: لا تيأس من محاولاتك في قيام الليل وذكر الله والعمرة، وإن لم تجد فيها نفعا، فهذا الذي ذكرته يعد من اليأس، فالله تعالى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فأحسن ظنك بالله تعالى، وإياك والظن الذي ذكرته -أن الله لا يلتفت إليك وكأنه غضبان- فهذا كله مدخل من مداخل الشيطان، حتى تقع في اليأس والقنوط من رحمة الله، فاحذر من هذا الظن، وأحسن ظنك بالله.

خوفك الشديد من ذنوب الخلوات، وما ورد في حديث ثوبان السابق من عقوبتها، بين العلماء أن المقصود ليس كل ذنب في السر، فإن صغائر الذنوب لا يسلم منها أحد، وإنما المقصود: المنافقون الذين يظهرون أمام الناس بالصلاح والتقوى، فإذا ابتعدوا عن الناس انتهكوا محارم الله.

رابعا: هذه الإرادة منك -إرادة التوبة النصوح والهداية والتوفيق- تحتاج إلى عمل واقعي، قال تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) [محمد:17]. فأنت تحتاج إلى همة عالية حتى تخطو إلى الأمام، ليس خطوة واحدة بل خطوات، فلا تيأس، وكما قلت لك: الأمنيات وحدها لا تكفي، بل لا بد من الدفع بهمة عالية لترك هذه الذنوب والمعاصي، وإذا كانت هذه الذنوب تتعلق بالشهوة الجنسية، فأعظم علاجها هو الزواج، فهو حصن حصين.

خامسا: بالنسبة لسؤالك: أين تجد حلاوة الإيمان؟
الجواب: عليك بالإقبال على القرآن الكريم حفظا وتلاوة وعملا، وعليك بالخشوع في الصلاة، وقبل ذلك المحافظة على الصلوات الخمس في بيوت الله تعالى، ومصاحبة أهل الخير، وستجد الخير إن شاء الله تعالى.

وفي الأخير: العلاج هو التأمل في ما سبق من الإجابة، والاجتهاد على العمل بها، وستجد الخير والمعونة من الله تعالى، وعليك بالدعاء واللجوء إلى الله تعالى، ومن الدعاء: اللهم قني شر نفسي (صححه الألباني)، وكذلك: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها رواه مسلم.

وفي الختام: أسأل الله تعالى أن يعصمك من الزلل، وأن يتوب عليك، وأن يبعد عنك اليأس والقنوط، وأن يجعلك من التائبين الراشدين، اللهم آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات