لا أشعر بطعم الطاعة والحياة ولم أعد مهتمة بأي شيء، فما النصيحة؟

0 0

السؤال

كنت ملتزمة منذ 12 سنة، وفي بداية التزامي كنت قريبة جدا من ربي، وكأني أرى الجنة والنار عيانا، ثم بعد ذلك وقعت في غفلة، وجاهدت حتى أعود، وعدت بفضل الله، لكن بعد ذلك أصابني اكتئاب شديد، وأصبحت أشعر ببعد رهيب، رغم وجود الصلاة والصوم، إذ دائما أشعر باليأس والغفلة، وأن دماغي ثقيلة علي ولا أستطيع التفكير.

دخلت الجامعة، وحاولت أن أتغير في أول سنة، وكنت أسعد الناس بالله، ثم وقعت في غفلة رغم حضوري مجالس الذكر والأذكار، لكنني كنت دائما بعيدة عن ربي، وأشعر أن الطريق بعيد، وأنه مهما عملت فلن ينفع إلا أن أعود لحالتي الأولى التي كنت مطمئنة فيها بالله.

أنهيت دراستي بفضل الله، وكنت من أوائل الدفعة، لكن عملي في الجانب العملي ليس جيدا، والنظري أيضا أشعر أنني نسيته، وقد حصلت لي حادثة أيام الجامعة حين صدمتني سيارة، وفور وقوع الحادثة زالت كتلة الأفكار السلبية التي كانت في دماغي، وشعرت أن قلبي فارغ من معاني التعظيم لله، ثم بدأت أحس بهيبة وعظمة الله كثيرا، وندمت أنني لم آخذ نصيبي من الباقيات الصالحات.

في السنة الخامسة لم أكن أستطيع أن أكمل إلا بعد أن دعوت الله كثيرا أن يزيل الأفكار السلبية والاكتئاب من دماغي، والآن بعد أن تخرجت وأصبحت أعمل، أشعر أنني لا أتذكر شيئا، ولا أعرف من أنا ولا ما قيمتي في الحياة.

أصبحت عصبية على كل الناس، ولست بارعة في عملي، وأشعر أن الله لن يوفقني، أبكي كثيرا لله في أوقات القيام مثلا، لكنني أعود فأجد الدنيا مظلمة في وجهي صباحا، أقرأ القرآن، وأقوم بالكثير من الطاعات، لكنني لا أشعر بنفسي.

أخلاقي لم تعد جيدة مع نفسي، ولا مع الناس، وأشعر أنني أعذب نفسي، لا أرد على أهلي، ولا أجلس مع أحد، من الصعب جدا أن أتذكر أي معلومة، أو أرد على الناس، أفكر في ترك العمل.

لم أتزوج، ولا أشعر أنني قد أتزوج، عندما أعود إلى الله أشعر بعظمته، وأننا جميعا غافلون عنه سبحانه، فأجلس متضايقة وخائفة من الموت، وفي الوقت نفسه لا أعرف كيف أخطط لمستقبلي، ليس لدي طاقة لأي شيء.

عندما أقول الأذكار أجد دماغي مليئة بالخيالات والهلوسات، وأشعر بثقلها، ولا أحس بها إلا بعد ساعة تقريبا، أصبحت متشائمة جدا، لا أعرف كيف أهتم بنفسي! ولا كيف أفكر! كثيرا ما يأتيني إحساس أنني لست مؤمنة، فأقول: "آمنت بالله وبرسوله"، لكن دائما بداخلي شعور أنني من أهل النار أو من المنافقين، وأن كل آيات العذاب موجهة إلي، كان حلمي أن أكون داعية ولم أحققه.

أشعر أنني غير قادرة على إكمال الحياة، ولم أعد مهتمة بأي شيء، وأحس أنني لا أملك عقلا أفكر به.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضل/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك من كل مكروه وسوء.

فما تصفينه ليس ضعف إيمان، ولا نفاقا، ولا علامة خذلان من الله، بل هو حالة نفسية وإيمانية مركبة، تحتاج فهما صحيحا حتى لا تظلمي نفسك؛ لذا انتبهي لكلامنا جيدا.

أول ما نريده أن يثبت في قلبك يقينا: أنك مؤمنة، ولست منافقة، ولست من أهل النار بحكم ما تشعرين به، بل الذي تعيشينه هو مزيج واضح من اكتئاب شديد، مضافا إليه وساوس عقدية وإرهاق عصبي، وهذه الثلاثة إذا اجتمعت أعطت الإحساس الذي تصفينه، فالشعور بأن العقل ثقيل، وأن التفكير صعب، وأن الذاكرة ضعيفة، وأن المعلومات ضاعت، وأنك لا تعرفين من أنت ولا ما قيمتك، وأنك سريعة الغضب ومنعزلة، وأن الطاعات موجودة لكن بلا طعم، وأن الخوف مسيطر، وأن الدنيا سوداء في الصباح رغم قيام الليل؛ هذه أعراض اكتئاب صريح، وليس وصفا لحالة إيمانية.

قولك إنك كنت في بداية التزامك ترين الجنة والنار كأنها رأي عين، ثم فقدت هذا الإحساس، هذا أمر طبيعي جدا، بل هو مذكور في السنة، قال الصحابي حنظلة رضي الله عنه: نافق حنظلة، فقال له أبو بكر: ما تقول؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا عافسنا الأزواج والأولاد فنسينا كثيرا، فذهبوا إلى النبي ﷺ فقال: لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة رواه مسلم. ففقدان هذا الشعور أحيانا ليس نفاقا، بل طبيعة بشرية، والمشكلة ليست أنك فقدت الإحساس، بل أنك تحاكمين نفسك بمعيار غير واقعي.

أما الحادث الذي ذكرته، وما شعرت به بعده من زوال الأفكار السلبية وظهور الهيبة؛ فهذا تفسيره نفسي واضح: الصدمة أوقفت ضجيج الدماغ مؤقتا، فأعطتك إحساس الصفاء، لكن هذا ليس حالا إيمانيا مطلوبا أن يدوم، ولا علامة رضا أو غضب، بل استجابة عصبية، فلا تجعلي تلك اللحظة ميزانا تحاكمين به حياتك كلها.

وأما قولك إنك تبكين في القيام ثم تعود الظلمة صباحا؛ هذا دليل على أن القلب يعمل، لكن الاضطراب النفسي قائم، وهذا ما يجب علاجه.

أن أخطر ما في كلامك هو قولك: (يجيني إحساس أني لست مؤمنة، أو من المنافقين، وكل آيات العذاب لي) هذا وسواس عقدي معروف، وليس حكما شرعيا عليك، المنافق لا يخاف النفاق، ولا يبكي، ولا يجاهد، ولا يتألم، ولا يقول (آمنت بالله)، بل يبرر ويستهين، قال النبي ﷺ لما شكي إليه هذا النوع من الوساوس: ذاك صريح الإيمان، أي أن كراهة هذه الخواطر ومقاومتها دليل إيمان لا ضده.

أما فكرة أنك فشلت؛ لأنك لم تصبحي داعية؛ فهذه فكرة قاسية وغير صحيحة، فالله لم يحاسب الناس على الأحلام، بل على الصدق في السعي ضمن القدرة، قال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾، والدعوة ليست منبرا فقط، بل أخلاق، وصبر، وشفاء، ورحمة، وربما كانت دعوتك الآن أن تنقذي نفسك أولا.

والآن اسمعي هذه النقطة بوضوح: أنت تحتاجين علاجا نفسيا، وهذا ليس ضعف إيمان، ولا نقص توكل، ولا فشلا، بل هو أخذ بالأسباب والنبي ﷺ قال: تداووا عباد الله والعلاج النفسي لا يناقض الإيمان، بل يعيد لك القدرة على الاستفادة من الإيمان، كثير من الصالحين ابتلوا بالاكتئاب، ولم ينقص ذلك من منزلتهم عند الله شيئا.

ماذا تفعلين الآن عمليا، خطوة خطوة، دون ضغط ولا جلد ذات؟

أولا: توقفي فورا عن محاكمة إيمانك بمثل هذه المشاعر، فأنت تختارين الصلاة رغم الثقل، وتختارين الذكر رغم الضجيج، وهذا عند الله عظيم.

ثانيا: خففي نفل الطاعات إذا كان مرهقا عليك، واثبتي على القليل الدائم، فقد قال النبي ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

ثالثا: اقطعي العزلة قدر المستطاع، ولو بجلسة قصيرة مع إنسانة واحدة آمنة؛ لأن الاكتئاب يزداد في الوحدة.

رابعا: اذهبي إلى طبيب نفسي تثقين به، واطلبي تقييما صريحا للاكتئاب والوسواس، ولا تخافي من العلاج.

خامسا: عندما تأتيك فكرة (أنا من أهل النار)، قولي فقط: (هذا وسواس)، ولا تناقشيها، ولا تحاولي إثبات العكس؛ لأن النقاش يغذيها.

سادسا: لا تتخذي قرارات مصيرية الآن، لا تتركي العمل، ولا تحكمي على الزواج ولا مستقبلك؛ لأن الاكتئاب يشوه الرؤية، وليس وقت قرارات.

وعليك مع الذكر والصحبة الصالحة، وعدم العزلة، قراءة بعض الكتب النافعة؛ فهذا مفيد جدا في هذه المرحلة، مع عدم إهمال الدعاء، ونحن ندعو الله لك: "اللهم إن أمتك هذه قد ابتليت فخفف عنها، واشف صدرها، ورد إليها أمنها وسكينتها، ولا تؤاخذها بما لا تملك، واجعل ما تمر به رفعة لا عقوبة، ونورا لا ظلمة، وقربها إليك".

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات