السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أنا فتاة عمري 19 سنة، نشأت في عائلة صاخبة مليئة بالمشاكل، الخيانات، والصراخ، وللأسف غير ملتزمة دينيا.
كنت طفلة دائمة القلق، أفكاري سلبية، خجولة، وأشعر بالخوف دائما، لم أكن أدرك ذلك في صغري، ولم ينتبه أحد من حولي لما أعانيه، حتى بلغت سن الخامسة عشرة، وبدأت تظهر علي أعراض نفسية واضحة: قلق دائم، وسواس الموت، اكتئاب، ونوبات هلع.
كل هذا أثر على دراستي، فقد كنت من الأوائل في المدرسة، ذكية ومجتهدة، ثم تحولت إلى فتاة كسولة لا تقوى حتى على فتح كتاب، كل ما يشغلني هو: كيف سيمر هذا اليوم؟ صدقا، لا أذكر شعور الراحة، ولا أستطيع تخيل حياة خالية من القلق.
والداي لا يأخذان معاناتي بجدية، وكلما حاولت الحديث معهما، استصغرا مشاكلي.
مشكلتي الآن أنني منذ عام ونصف تقريبا بدأت أعاني من وساوس دينية وشكوك رهيبة، أفكار لا تهدأ أبدا، وصلت لمرحلة بدأت أؤذي نفسي لأتخلص منها، ظننت أن ارتدائي للحجاب قد يخفف من هذه الوساوس، فارتديته، لكن الأفكار ازدادت قوة، وعادت نوبات الهلع بشكل أقوى.
أخشى أن تسيطر علي هذه الوساوس، ولا أعرف ماذا أفعل، أهلي يرون أنني أعاني، لكن لا أحد يتدخل أو يساعدني، الأفكار الانتحارية تسيطر علي أحيانا، وأخشى أن أفقد السيطرة على نفسي أو أجن.
سؤالي:
- هل سأحاسب على هذه الأفكار التي تراودني رغم أنني أكرهها؟
- كيف أقنع أهلي بأنني بحاجة إلى مساعدة نفسية حقيقية؟
(أعتذر إن كان كلامي مبعثرا، فهذه أول مرة أتكلم فيها عن هذا الموضوع).
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ كريمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، وأن يقدر لك الخير حيث كان.
فما تعيشينه ليس عيبا، ولا كفرا، ولا ضعف إيمان، بل جرح نفسي قديم كبر معك، فالطفل الذي يكبر في بيت صاخب، مليء بالخيانة والصراخ وانعدام الأمان، لا يتعلم الطمأنينة، بل يتعلم الترقب، والحذر، وتوقع الأسوأ، وهذا يخلق قلقا حتى قبل أن يفهم الطفل معنى القلق.
ثانيا: الوساوس الدينية التي تعانين منها ليست دليلا على فسادك، بل قد تكون دليل صلاحك، فالوسواس الديني لا يهاجم الإنسان اللامبالي، بل يهاجم من يخاف، من يريد أن يكون جيدا، من يخشى الخطأ، من يحمل ضميرا حيا.
وعليه فالأفكار القهرية التي تداهمك ليست اختيارك، ولا تعبر عنك، ولا تمثل إيمانك الحقيقي، بل هي أعراض مرض نفسي معروف، اسمه اضطراب الوسواس القهري، ويزداد شراسة حين يخلط بالخوف والهلع والشعور بالذنب.
ولهذا فنقول لك وبوضوح: لن تحاسبي على هذه الأفكار؛ لأن المحاسبة تكون على الاختيار والفعل، لا على ما يفرض على العقل قهرا، وقد ثبت في الدين والعقل معا أن الفكرة القهرية ليست ذنبا، بل ابتلاء.
ثالثا: إيذاؤك لنفسك لم يكن حبا في الألم، بل محاولة يائسة لإيقاف ضجيج داخلي لا يطاق، وأنا أقول هذا بوضوح لأنك تحتاجين أن تفهمي نفسك لا أن تكرهيها.
من يؤذي نفسه في هذه الحالات لا يريد الموت، بل يريد الهدوء، يريد لحظة صمت، يريد أن تتوقف الأفكار، وهذا لا يجعلك شخصا سيئا، لكنه يجعل حالتك طارئة وتحتاج تدخلا حقيقيا.
الأفكار الانتحارية التي تهاجمك الآن ليست رغبة حقيقية في الفناء، بل صرخة استغاثة؛ لأن الألم طال أكثر مما تستطيعين احتماله وحدك.
رابعا: تحجبك لم يكن خطأ، لكن تحميله عبء العلاج كان ظلما لك.
الدين ليس علاجا بديلا عن الطب النفسي، كما أن الطب ليس بديلا عن الإيمان، وكل محاولة منك لإصلاح نفسك كانت نابعة من خوفك لا من رياء، لكن الوسواس لا يعالج بالتشديد ولا بالمزيد من الضغط على النفس، بل بالعلاج النفسي المتخصص، وأحيانا بالأدوية، وهذا لا يعني ضعف الإيمان ولا الجنون، بل يعني أنك إنسانة تحتاج مساعدة، كما يحتاج مريض السكري إلى دواء، لا إلى لوم نفسه.
خامسا: تجاهل أهلك لمعاناتك لا يعني أنها حقيقية أو غير حقيقية، بل يعني أنهم لم يروها أو لم يفهموها إن كانت موجودة، وهذا بالنسبة لك قد يكون مؤلما، لكنه شائع ولا يجعلهم أشرارا، فلا تأخذي موقفا سلبيا لذلك.
وأخيرا: أريدك أن تسمعي هذه الجملة جيدا وتعيديها لنفسك: أنت لست مجنونة، ولست فاسدة، ولست بعيدة عن الله، بل متعبة، مرهقة، ومصابة بمرض نفسي يمكن علاجه إن شاء الله تعالى، فأملي في الله خيرا، وحافظي على أذكارك والصحبة الصالحة، ولا تتركي الفراغ يتسلل إليك.
نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.
______________
انتهت إجابة د. أحمد المحمدي -استشاري الشؤون الأسرية والتربوية-، وتليها إجابة د. محمد عبد العليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-.
______________
أرحب بك في استشارات إسلام ويب.
أجابك فضيلة الشيخ الدكتور: أحمد المحمدي إجابة تفصيلية عالية الجودة، فأرجو أن تطلعي عليها، وأن تأخذي بكل النصائح التي أسداها لك، وأن تقبلي التفسيرات العلمية التي أوردها الشيخ في إجابته على استفساراتك.
ومن حيث المنظور النفسي أقول لك –أيتها الفاضلة الكريمة–: الآن كل مدارس الطب النفسي تتجه نحو أهمية الحاضر، أهمية الآن، وليس الماضي، الحاضر أقوى، الآن أقوى؛ لأننا نستطيع أن نديره، نستطيع أن نفصله، نستطيع أن نضع لحياتنا أسسا تجعلنا مرتاحين ومن الناجحين، وما مضى قد مضى، والآن أنت في مراحل الإدراك التام، ولديك المهارة والقوة العقلية والفكرية التي تؤهلك لأن تقولي (حياتي طيبة)، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى: الذي يستفيد من قوة الآن يكون أيضا –بحول الله وقوته– له مستقبل مشرق؛ لأن الحاضر هو ماضي المستقبل.
حالتك –فيما أرى– هي كما تفضلت: شيء من الوساوس التي أدت إلى نوع من الاكتئاب النفسي الثانوي، والأفكار الوسواسية يسهل علاجها عن طريق الأدوية، وطبعا من خلال: تحقيرها، وعدم الاهتمام بها، وتجاهلها، وعدم تحليلها، وصرف الانتباه عنها؛ هذه أسس علاجية بسيطة جدا وهي قابلة للتطبيق.
أتمنى أن يقتنع أهلك بالذهاب إلى الطبيب النفسي، وإن لم يقتنعوا فمن حقك أن تذهبي للطبيب النفسي لوحدك، فأنت راشدة ومسؤولة عن نفسك وبكامل العقل والوعي والشعور والإدراك.
كم هو جميل طبعا في أن تستشيري أهلك في هذا الأمر، لكن رفضهم لا يعني أن تحرمي نفسك من العلاج، وليس في هذا عقوق أو مخالفة حقيقية، وأنا أنصحك أن تحاولي أن تتحدثي مع شخص مقرب لوالديك، أحد إخوتك مثلا، سوف يساعد –إن شاء الله– في إقناعهم، وكل الذي تقولينه لوالديك أنك تعانين من هذه الوساوس، وهذه الوساوس الآن تعالج علاجا فعالا من خلال الطب، وإن شاء الله تعالى سوف يسمحون لك، وإن لم يسمحوا فمن حقك أن تذهبي للطبيبة المختصة وتتلقي العلاج، هذا أمر واضح بالنسبة لي.
أما بالنسبة للأفكار الانتحارية، كما أوضح لك الشيخ –جزاه الله خيرا– هي أفكار ظرفية، أفكار شريرة، يجب أن ترفض، ويجب أن تحقر، ونحن على ثقة تامة أنك –إن شاء الله تعالى- لن تقدمي على إيذاء نفسك، وحين تتناولين العلاج كل هذا سيذهب.
نعم توجد أدوية فعالة ممتازة، مثلا عقار معروف باسمه العلمي (اسيتالوبرام Escitalopram)، والذي يسمى تجاريا (سيبرالكس -Cipralex) سيكون دواء رائعا جدا بالنسبة لك؛ فهو يعالج الوساوس، ويعالج الاكتئاب، ويحسن النتائج، ويعالج الهرع.
فحالتك –إن شاء الله تعالى- تتحسن وسوف تعالج علاجا جيدا وناجعا. هذا هو الذي أنصحك به، ونسأل الله تعالى لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.