السؤال
تراودني بين فترة وأخرى وساوس، وبفضل الله أتخلص منها، لكن منذ فترة وأنا واقع في وسواس كلما تخلصت منه عاد إلي، فأنا أنظر إلى بديع خلق الشمس، وكيف أنها مصدر الحياة والضوء، وسبب لتبخر المياه ونزول الأمطار ونمو النباتات، فيأتي في نفسي: هل يمكن أن تكون هذه الشمس ربا؟ أعوذ بالله، فأقول في نفسي: لكنها لا تستطيع البقاء، والقمر يأتي ويحجب ضوءها، ولو كانت إلها لأرسلت رسلا.
ثم يأتي في نفسي أن الله سبحانه وتعالى له حجاب، وحجابه النور فلا نراه، فكما أننا لا نرى الشمس ليلا؛ لأن القمر يحجبها، فإننا لا نرى الله.
أرجو الإجابة، فأنا أجيب نفسي دائما بردود على هذا السؤال، لكنني أعود وأفكر فيه، جزاكم الله خيرا.
وأريد كتابا يحدثني عن العقيدة، ويتناول الأمور العقلية، أو سلسلة فيديوهات، ونصيحة للتخلص من هذه الوساوس.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الكريم: بارك الله فيك، وشرح صدرك للحق.
اعلم أولا أن ما تعانيه هو وساوس في العقيدة، وليست شكوكا حقيقية نابعة من قلب راض بها، والدليل الواضح على ذلك أنك تستعيذ بالله، وتجادلها، وتضيق بها، وتبحث عن دفعها؛ وهذا بعينه علامة سلامة الإيمان لا فساده، كما قال النبي ﷺ لما شكا الصحابة مثل هذه الخواطر: ذاك صريح الإيمان.
من الناحية الشرعية:
هذه الخواطر لا تؤاخذ عليها، ما دمت تكرهها، ولا تطمئن لها ولا تعتقدها؛ لأن الله تعالى تجاوز عن حديث النفس ما لم يعمل به أو يتكلم به، بل إن الاسترسال معها هو الخطر، أما مقاومتها فعبادة يؤجر عليها العبد.
وأما ما يرد في ذهنك من المقارنات بين الشمس وربوبية الله تعالى، فاعلم أن هذا قياس فاسد ناشئ عن الوسواس؛ لأن الشمس مخلوقة من الله، عاجزة، محكومة بقوانين، تغيب وتحجب وتفنى، والله سبحانه خالق القوانين ومدبر الكون، لا يشبهه شيء، ولا يقاس على مخلوقاته.
وقولك إن الله له حجاب من نور حق ورد في السنة، لكن ربط ذلك بحجاب الشمس قياس ذهني وسواسي، لا يلزم منه أي تشابه؛ لأن الله تعالى أخبرنا: ﴿ليس كمثله شيء﴾.
ومن الناحية النفسية:
ما تصفه هو نمط معروف من الوسواس القهري الفكري، حيث يلح السؤال نفسه رغم وضوح الجواب، وليس لأن الجواب ضعيف، بل لأن الوسواس لا يطلب الحقيقة، بل يطلب القلق؛ لذلك كلما أجبته عاد بشكل آخر. والعلاج هنا ليس بكثرة الجدل، بل بـقطع الحوار معه.
النصيحة العملية المختصرة:
إذا جاءك الوسواس: استعذ بالله فورا، وقل: آمنت بالله، ثم اقطع التفكير ولا تناقش الفكرة.
لا ترهق نفسك بتكرار الردود العقلية؛ فهذا يغذي الوسواس.
أكثر من الذكر، وخاصة أذكار الصباح والمساء.
إن استمر الوسواس وأرهقك؛ فمراجعة مختص نفسي موثوق لا تعارض التوكل، بل هي من الأخذ بالأسباب.
فيما يخص طلبك للقراءة والمشاهدة:
من الكتب النافعة في العقيدة بأسلوب عقلي سهل:
العقيدة في الله للمؤلف: عمر سليمان الأشقر.
و*لماذا نحن هنا؟* للدكتور عبد الرحمن الشهري.
وبخصوص متابعة السلاسل المرئية؛ فيمكنك متابعة شروحات العقيدة المبسطة لعلماء موثوقين كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وتجنب المحتوى الجدلي الذي يثير الشبهات لمن يعاني من الوسواس.
وأخيرا، اطمئن: إيمانك بخير، وما تعانيه ابتلاء عابر، ومن صدق مع الله في دفع الوسواس أعانه الله وشرح صدره، وجعل بعد القلق طمأنينة ويقينا.
نسأل الله أن يحفظ قلبك، ويثبتك على الحق.