السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجاء عدم تحويلي إلى استشارة أخرى مشابهة، أنا في حاجة شديدة لإجابة خاصة بي، وجزاكم الله خيرا، والرجاء عرض الاستشارة باسم مجهول على موقعكم، شاكرين الله -عز وجل- على جهودكم.
عمري 24 سنة، وأسرفت على نفسي بالذنوب كثيرا مدى حياتي، وكنت غير ملتزمة بالصلاة جدا، وغيرها الكثير -والعياذ بالله-.
منذ فترة كنت في اكتئاب وحزن؛ بسبب شيء دنيوي، وهذا الشيء أدخلني في الجحود بالنعم، ثم -الحمد لله-، من الله علي بالهداية، بدأت الالتزام بالصلاة، وتبت لله، وندمت جدا، واستغفرت، ونويت أن لا أعود لهذه الذنوب منذ قرابة أسبوع، ولكن في داخلي خوف وصراع داخلي، وشعور تارة بأن توبتي مقبولة -إن شاء الله-، وتارة لا.
بدأت أحاول أن أقرأ أكثر وأستغفر، أقرأ آيات من القرآن، وأبحث في الدين، وهنا بدأ عندي وسواس شديد -والعياذ بالله- في ذات الله، وفي الدين، وفي الخلق، وأني لا أستطيع، وأن الله -والعياذ بالله- سيعذبني في أي حال، هذا الوسواس أتعبني، لا أستطيع أن أمارس حياتي.
كل ما أردت أن أصلي، أو أقرأ سورة، أو أقرأ تفسير القرآن، أو دعاء، أو حتى أموري اليومية، كالدراسة وغيرها، لا أستطيع، فالوسواس ملازمني، أشعر بالذنب، وأحيانا أشعر أنه من نفسي، وأني صدقت قول الوسواس (وهو شيء عظيم، سب في ذات الله، والدين، وتساؤلات مخيفة عن الخلق والدنيا وهكذا).
أشعر بالندم تارة، وأشعر تارة أخرى أني استسلمت -والعياذ بالله- لبعض الوسواس، منها أن حياتي ستصبح في جحيم، وأني كنت سعيدة في حياتي من قبل أكثر..إلخ -أستغفر الله- وكأني أجحد نعمة الهداية -أستغفر الله- ولا أعلم ما أفعل! كلما يأتيني وسواس أستعيذ بالله من الشيطان، وأقول: آمنت بالله ورسوله، وأستعيذ من الشيطان، ولكنها تتكرر وتستمر، أشك بأنه عقاب من الله؛ لأني استسلمت لبعض الوساوس ولم أعرض عنها كثيرا، ولهذا زادت علي.
صرت أخاف أن أخشع في صلاتي فأقع في ذنب أكبر، وأخاف أن أتهرب من الخشوع وأكون في ذنب، والله إني في حيرة لا يعلمها إلا الله، وكلما أحاول الدعاء بأن يرحمني الله أو أي شيء، ينزل علي وسواس عظيم وشديد، منها: أن الله لا يستجيب دعاءك، والله لن يرحمك، وأن هذا ظلم من الله -والعياذ بالله-، أنت في كل حال معذبة، إن قاومت أو تركت المقاومة.
كيف أتخلص من هذا الوسواس وهذه المقاومة؟ هل من نصيحة تخفف عني؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مجهولة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك. لن نحيلك على استشارة سابقة، بل سنتوجه إليك بالحديث مباشرة حتى يسكن قلبك -إن شاء الله-.
الأخت الكريمة: ما تعيشينه ليس دليلا على ضعف توبتك، ولا علامة على غضب الله عليك، ولا عقوبة، بل هو ابتلاء يأتي أحيانا بعد التوبة الصادقة، خاصة عند أصحاب القلوب الحية الحساسة، فأنت لست حالة نادرة، ولا أول من يمر بهذا، ولا أسوأ الناس حالا، بل على العكس تماما: ما يحدث معك دليل على أن قلبك انتقل من الغفلة إلى اليقظة، والانتقال مؤلم أحيانا، والشيطان لا يريد لك هذا الطريق، فيحاول أن يصدك عنه بكل ما استطاع.
لذا نطمئنك أولا طمأنينة صريحة: توبتك -إن شاء الله- صحيحة ومقبولة، ولا تحتاجين إلى شعور داخلي بالراحة كي تكون مقبولة؛ لأن قبول التوبة لا يقاس بالإحساس، بل بالشروط التي تحققت عندك:
- ترك الذنب.
- الندم.
- العزم على عدم العودة.
وقد ذكرت هذا بوضوح، فالشعور بالقلق بعد التوبة لا يعني أنها لم تقبل، بل كثيرا ما يكون من كيد الشيطان الذي ييأس منك بالمعصية، فإذا تبت حاول أن يفسد عليك التوبة بالخوف واليأس والتشكيك.
وعليه فما تمرين به الآن يمكن فهمه بوضوح إذا وضعناه في إطاره الصحيح، أنت تعانين من وسواس قهري ديني، وهو اضطراب معروف، وليس ضعف إيمان، وليس سوء نية، وليس كفرا مستترا، بل مرض قائم على أفكار قهرية متسلطة تأتي عكس إرادة الإنسان، وتهاجمه في أعز ما يخاف عليه، وهو هنا: توبتك وإقبالك على الله، ولهذا تجدين الوسواس يشتد كلما اقتربت من الصلاة أو القرآن أو الدعاء؛ لأن الوسواس لا يحارب الغفلة والظلمة، بل يحارب اليقظة والضياء.
لذا انتبهي لهذه القاعدة المهمة جدا، الفكرة القهرية ليست اختيارا، وليست اعتقادا، ولا تعبر عنك، ولا تحاسبين عليها مهما كانت بشعة، مهما كانت صادمة، مهما كانت متعلقة بذات الله أو الدين، فهي ليست منك، بل ضدك، والدليل أنك تكرهينها، تخافين منها، تستغفرين بعدها، وتتألمين بسببها، ولو كانت منك لما آلمتك، ولهذا لا يجوز لك أبدا أن تقولي: أنا صدقت الوسواس! لمجرد أنه مر في ذهنك، أو أزعجك، أو شعرت بالخوف بسببه.
الاستسلام الحقيقي هو الرضا والاطمئنان للفكرة، لا الخوف منها، أما إحساسك بأن الوسواس عقوبة من الله، أو دليل على أن الله لم يرحمك، فهذا بذاته وسواس، وليس حقيقة، الله الذي هداك بعد غفلة، وأيقظ قلبك، ومنحك الندم، الله أرحم بك من نفسك، وأعلم بضعفك، ولا يكلفك ما لا تطيقين؛ لذلك نود منك أن تتفهمي نقطة دقيقة جدا: محاولة طرد الوسواس بالقوة، أو الدخول في نقاش معه، أو كثرة الاستغفار بعد كل فكرة، قد تزيده لا تنهيه؛ لأن الوسواس يتغذى على الخوف والمقاومة المشدودة، أنت لست مطالبة بأن تنتصري على كل فكرة أو وسواس، بل أن تتجاهليها.
عندما تأتيك فكرة بشعة، لا تناقشيها، لا تثبتي عكسها، لا تستغفري عشرات المرات بسببها، بل قولي بهدوء: هذه وساوس، وأنا غير محاسبة عليها، ثم انتقلي بفعل آخر ولو مع بقاء القلق، القلق سيهدأ مع الوقت، لا فورا.
أما خوفك من الخشوع، وخوفك من الصلاة، وخوفك من الدعاء، فهذا أيضا جزء من الوسواس، وليس ذنبا، صلي حتى لو بلا خشوع في البداية، واقرئي ولو آية، وادعي ولو بكلمة، ولا تراقبي قلبك ولا نيتك ولا إحساسك طوال الوقت، الخشوع سيأتي تدريجيا، معركتك الآن مع الوسواس، المهم الآن أن تقومي بالواجبات والفرائض.
عيشي حياتك ببساطة، ولا تعذبي نفسك، الدين جاء لرحمة الناس، والشيطان يريد أن يوصلك لفكرة أن الدين مرهق، وأنك عندما كنت في حالة الغفلة لم تشعري بهذا الشعور المؤلم، والحل بيدك، الماضي مر وانتهى، والعبادات ليس فيها تعقيد، يقول تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج).
ونحن ننصحك بعدة أمور:
- الصحبة الصالحة لها دور كبير في الارتقاء، خاصة إن كان من بينهن طالبة علم شرعي.
- الرقية الشرعية هامة، ويمكن أن تقومي أنت بها.
- المحافظة على أذكارك ليلا ونهارا، وعند النوم.
- النوم على الوضوء، مع قراءة أذكار النوم.
- الابتعاد عن الفراغ، فإنه ساحة الوسواس الخلفية.
- إحسان الظن بالله.
- الدعاء أن يصرف الله عنك ما تجدينه.
استمري على ذلك وستجدين -إن شاء الله- تحسنا في حياتك، نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.