السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي سؤال: ما سبب ظني السيئ بالآخرين؟ علما أني لا أعامل أحدا كما أظن فيه من سوء.
في أحد المواقف التي مرت في الجامعة، كنا نجلس أنا وزميلاتي قرب الصوبيا في فترة الاستراحة، وعندما انتهت دخلت كل منا إلى مقعدها، فسمعت إحداهن تقول: "سوف أقصر المعطف الذي أرتديه"، وأشارت بيدها إلى ركبتها.
فأنا ظننت أنها لا تريد ارتداءه طويلا كما شرع الإسلام؛ لأنها ترى الأخريات يرتدين القصير من الثياب فأرادت أن تصبح مثلهن، وفي الحقيقة كانت نيتها من تقصيره إزالة أثر الحرق الذي أصابه عندما كانت بالقرب من الصوبيا.
لكنني لم أظن ذلك، وهو السبب الأقرب، ولم أفكر أنها لو أرادت ارتداء القصير لاشترته قصيرا بدلا من شرائه طويلا ثم تقصيره، فظننت بها سوءا مباشرة.
وكذلك مواقف كثيرة مع أختي وأمي، ففي كل موقف أرى أنهم على عكس ما ظننت، وأنهم لم يقصدوا ما فكرت فيه.
وأنا لا أتعامل مع الناس بنية سيئة، بل أتواصل معهم من قلبي وأسعى لتصحيح نيتي في كل فعل معهم، لكنني لا أتوقف عن الظن السيئ بهم.
كيف أظن بالآخرين خيرا مهما كانت نيتهم؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ روان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نثمن لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب؛ فهذا يدل على وعيك وحرصك، ويعد بالفعل أولى خطوات الرغبة الصادقة في التغيير نحو الأفضل بإذن الله، وما تشعرين به مفهوم ومتكرر عند البعض من الناس، ولا يدل على سوء قلبك ولا على خبث نيتك، بل على حساسية نفسية ومبالغة في التحليل الذهني، وربما خوف داخلي من الخطأ أو الوقوع في المحظور.
والفرق مهم هنا بين خاطر يمر على القلب بغير اختيارك، وبين ظن مستقر تتبنينه وتبنين عليه موقفا أو حكما أو معاملة، وأنت –كما ذكرت بصدق– لا تعاملين الناس بسوء، ولا تتعمدين إساءة الظن، بل تتألمين عندما تكتشفين أن الواقع كان أبسط وأحسن مما توقعت، وهذا في حد ذاته علامة خير.
فالإسلام يفرق بين الخواطر القهرية التي ترد على النفس، وبين الظن المتعمد الذي يترتب عليه اتهام أو تصرف، قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
ما دام هذا الظن يأتيك فجأة دون قصد، ثم لا تبنين عليه قولا ولا فعلا، فأنت غير آثمة، بل تؤجرين على مجاهدته ورده، والإثم إنما يكون في سوء الظن المستقر الذي يتغذى عليه الإنسان، ويفسد به علاقاته، ويجعل قلبه ممتلئا بالريبة والاتهام.
كونك تقعين في هذا الظن مع أمك وأختك تحديدا يدل على أن الأمر ليس سوء نية، بل عادة ذهنية تلقائية؛ لأن القريبين منا نكون أكثر توقعا منهم، وأكثر تأثرا بتصرفاتهم، ومع الوقت، إذا لم ننتبه، يتحول هذا الأسلوب الذهني إلى إجهاد داخلي دائم.
والعلاج لا يكون بمحاولة إجبار النفس على حسن الظن قهرا؛ لأن هذا يزيد التوتر، بل بتغيير طريقة التفكير بهدوء، فعندما يأتيك الظن السيئ، لا تحاولي طرده بعنف، بل قولي في نفسك: هذا مجرد احتمال وليس حقيقة، وهناك تفسيرات أخرى قد تكون أبسط وأفضل، وحاولي أن تدربي نفسك على ذكر ثلاثة احتمالات مختلفة لكل موقف، أحدها حسن بالضرورة، ومع التكرار سيتباطأ العقل في إطلاق الحكم.
من المهم أيضا أن تعودي نفسك على قاعدة شرعية عظيمة: (الأصل في المسلم السلامة)، وأن اليقين لا يزول بالشك، ما لم يظهر لك دليل صريح، فليس لك أن تحملي نية أحد على الأسوأ، حتى لو كان الاحتمال موجودا، وليس مطلوبا منك أن تجزمي بحسن نيتهم، بل يكفي أن تقولي: لا أعلم، والله أعلم بالسرائر.
احرصي أيضا على التواصل الطبيعي، وعدم الانسحاب بسبب هذه الأفكار؛ لأن العزلة تجعل الذهن يضخم التحليلات، كلما كان تفاعلك صحيا وبسيطا؛ قلت مساحة الظنون، وإن أمكن، اسألي أحيانا بسؤال عفوي بريء يزيل الغموض بدل أن يترك العقل يفسر وحده.
وأخيرا: أكثري من الدعاء الذي علمنا النبي ﷺ: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة)، ومع الدعاء، ذكري نفسك أن الله لم يكلفك بتفتيش نيات الناس، وإنما كلفك بسلامة قلبك، وعدلك في معاملتهم، وهذا – بحمد الله – أنت حريصة عليه.
اطمئني أن ما تعانين منه قابل للتعديل، ومع الوعي والتدريب والصبر سيهدأ عقلك، ويصبح حسن الظن أسهل وأقرب، دون تكلف ولا صراع داخلي.
والله الموفق.