السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قرأت سابقا أنه روي عن الصحابة الكرام تمنيهم أن يكونوا غير بشر؛ أي شجرا أو كبشا أو رمادا، وأظن ذلك لعظم وثقل هذه الأمانة التي حملناها، ولم تحملها السماوات والأرض والجبال.
وسمعت من كبار الدعاة ممن أثق بهم وأجلهم فضلا أنه لا دليل على أن لبني آدم الخيرة في أن يكونوا بشرا، وإن وجد دليل فإنه إما خاص بتخيير آدم عليه السلام، أو على العكس تماما؛ أي نفي التخيير.
بعد معرفتي بكل هذا، أحببت أن أكون عدما أو أن أكون شيئا غير البشر؛ لأنه أسلم وأفضل خيارا، وكرهت –أسأل الله العافية والمغفرة، وأعوذ به من الكفر– أنني لم أعط الخيار، لكن اعلموا أنني أثبت –على الأقل نقلا– أن لله الفضل على الخلق، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، لا فتيلا ولا قطميرا.
غير أنني لم أعد أفهم سبب حمدنا لله –مع أنني أحمده كثيرا دبر كل صلاة، لكن بقلب بليد– ولم أعد أفهم معنى آيات النعم والماء والزرع، وكيف يربط الله عبادته بالامتنان بهذه النعم، فلم أعد أفهم كيف أقدر هذه النعم عقلا مع إقراري بها نقلا.
كيف أشكر الله على الطعام والماء، وأنا لو أعطيت الخيرة ما كنت لأختار أن أكون بشرا، وربما كنت لأختار أن أكون عدما أو جمادا؟
هل المسلمون سليمو العقيدة حقا لا يفهمون لم لله فضل عليهم، ومع ذلك عليهم أن يشكروا بقلوب حية ممتنة، حتى وإن لم يفهموا؟
هل يمكن أن يوجد شعور بالامتنان والمحبة مع عدم فهم كيفية فضل الله علينا؟ وكيف أن الوجود كبشر أفضل من غيره؟
وإذا تعذر فهم كيف أن لله الفضل، فكيف نتدبر الآيات مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ۖ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 21-22].
فهل ماهية فضل الله من الغيبيات، مثلها مثل كيفية تقييد مشيئة العبد بمشيئة ربه، ومثل استواء الله سبحانه؟
بارك الله فيكم، وزادنا وإياكم علما، ووفقنا جميعا للانتفاع به.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لنا ولك الهداية، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وألا يجعله ملتبسا علينا فنضل.
وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
نشكر لك ثقتك بموقعنا، وطرح ما يعتلج في نفسك بصدق ينبئ عن رغبتك في إجابة تزيح عنك مثل هذه الوساوس أو القلق العقدي، ومثل هذا القلق وقع به بعض الناس سلفا وخلفا نتيجة التأمل وإعمال الفكر، رغم وجود التعظيم لله تعالى في قلوبهم، لكنهم كانوا يعانون من ضعف التذوق القلبي في مرحلة من المراحل، وسأجيب على استشارتك من الناحية الشرعية والنفسية والتربوية، مجتنبا التهوين المخل والتشديد المؤذي.
أولا: كيف نفهم تمني بعض الصحابة أن يكونوا حجارة أو شجرا؟
ورد عن بعض الصحابة والتابعين عبارات مثل: يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني كنت رمادا، لكن مثل هذه العبارات لم تكن اعتراضا على الخلق، ولا كراهية للوجود، ولا إنكارا لفضل الله، وإنما كان صادرا عن خوف شديد من الحساب، وتعظيم للأمانة، وإحساس بثقل المسؤولية، مع كمال الإيمان، والذين قالوا مثل هذه العبارات قالوها وهم في ذروة الامتنان لله، لا في موضع إنكاره.
فرق واضح -أيها الأخ الحبيب- كما تلاحظ، بين من يقول: "ليتني لم أحاسب من شدة خوفي"، وبين من يقول: "ليتني لم أخلق لأنني لا أرى في الخلق فضلا"؛ فالأول خشية إيمان، والثاني إشكال تصوري يحتاج تصحيحا، لا لأنه كفر، بل لأنه خلط بين مقامات مختلفة.
ثانيا: هل خير بنو آدم أصلا؟
هذه مسألة دقيقة، وقد أصبت في عرض الخلاف فيها، والخلاصة الصحيحة:
• لا يوجد دليل صريح صحيح على أن بني آدم خيروا بين الوجود والعدم.
• آية الأمانة في سورة الأحزاب لا تدل على تخيير صريح واع كالتخيير الدنيوي، بل على عرض تكليفي غيبي لا نحيط بكيفيته.
• وليس في عدم التخيير أي ظلم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، أو أخذ حق الغير، ولا حق لمعدوم أصلا، فعدم إعطائك خيارا ليس نقصا في العدل الإلهي، كما أن إعطاءك الوجود ليس جناية عليك.
ثالثا: لب الإشكال عندك أنك تقول: لا أشعر أن الوجود البشري نعمة، لو خيرت ربما اخترت العدم، ومع هذا فأنت لا تنكر فضل الله نقليا، ولا تشك في عدله اعتقاديا، وهذا يدل على أمرين مجتمعين:
1. تصور ذهني ناقص لمعنى الفضل.
2. فتور وجداني (بلادة قلبية مؤقتة).
وهذان الأمران لا يعالجان بالزجر، بل بالفهم.
رابعا: هل فضل الله من الغيبيات؟
وللإجابة على هذا السؤال أقول: فضل الله منه ما هو غيبي، ومنه ما ليس غيبيا.
1- من الأمور الغيبية:
• لماذا اختارك الله للوجود دون غيرك؟
• لماذا جعلك إنسانا لا جمادا؟
• لماذا هذا القدر من العقل والتكليف؟
فهذه حكم غيبية لا يطالب العبد بفهم كنهها، كما لا يطالب بفهم كيفية الاستواء، وكيفية الجمع بين المشيئتين.
2- من الأمور التي ليست غيبية:
• كون الوجود أصلا خيرا من العدم، فهذا أمر عقلي بدهي.
• كون الإنسان أرفع من الجماد، وهذا واضح، فليس ثم عاقل يقول إن الجماد أرفع.
• كون الإنسان قادرا على المعرفة، والمحبة، والنجاة، والاقتراب من الله، فهذا فضل مشهود.
فالإشكال عندك ليس في غيبية الفضل، بل في مقارنة غير صحيحة بين:
• أنك لا تشعر بالفضل ولا تدركه، ولا تشعر بالسعادة ولا بالشقاء.
• الشعور بشيء من الألم مع قابلية للمعرفة بأن الوجود وإقامة التكاليف سبب للنجاة والخلود في نعيم مقيم.
خامسا: لماذا الوجود أفضل من العدم؟
بمقارنة بين الأمرين نجد أن العدم لا يتألم ولا يفرح، ولا يشكر ولا يعرف الله سبحانه، ولا ينجو ولا يحب ولا يحبه الله، فالعدم إذا ليس هو السلامة، بل هو لا شيء.
أما الوجود البشري ففيه ألم، لكن فيه إمكان النجاة، وفيه إمكان محبة الله، وفيه إمكان الخلود في نعيم أبدي، فالعقل الصريح يقول إن الوجود القابل للكمال خير من عدم مطلق، حتى لو تخلله ألم، ولهذا لم يكن اختيار العدم يوما كمالا، بل هربا متوهما من المسؤولية.
سادسا: لماذا تربط الآيات بين النعم والعبادة؟
وهذا السؤال مهم جدا، فالله تعالى حينما يأمر بعبادته لا يقول: اعبدوني لأنكم اخترتم الوجود، بل يقول: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم}، وذلك لأنه البارئ المنعم، لا لأنك وقعت عقدا مسبقا كونك اخترت فأنت تتحمل التبعات.
الامتنان هنا ليس امتنان صفقة معقودة، بل هو امتنان المخلوق لمن أوجده، وأمده، وفتح له باب النجاة.
لو قال العبد كما ذكرت: لو خيرت لما اخترت، فهذا القول لا يسقط حقيقة أنك الآن موجود، منتفع، ترفل في نعم الله، محفوظ بحفظه، مكلوء بعنايته، والشكر لا يتوقف على الرضا التام بكل تفاصيل القدر، بل على الاعتراف بالمنعم.
سابعا: هل يمكن الشكر مع عدم الفهم؟
للإجابة على هذا التساؤل أقول:
يمكن الشكر مع عدم الفهم، بل هذا حال كثير من المؤمنين الصادقين، فالشكر له ثلاث درجات:
1. شكر نقلي: بقول الحمد لله.
2. شكر عقلي: ويكون بإدراك النعمة.
3. شكر قلبي ذوقي: وذلك بالامتنان الحي.
وقد يجتمع الأول والثاني دون الثالث فترة من الزمن، والنبي ﷺ قال: إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، أي: يبلى، ويحتاج إلى تجديد.
ثامنا: ما الذي يحدث لك نفسيا؟
إن ما تعاني منه أقرب إلى الإرهاق الفكري العقدي، مع نزعة كمالية أخلاقية، وخوف دفين من التقصير والعذاب. فالعقل يقول: لو لم أخلق لما خفت ولا حوسبت، وهذا منطق خوف، لا منطق حكمة. والحل ليس في إنكار السؤال، بل في إعادة ترتيب العلاقة مع الله، وذلك بنقلها من علاقة عبء ثقيل إلى علاقة طريق للرحمة والنجاة.
تاسعا: كيف تعالج هذا عمليا؟
1. التوقف عن الدوران في سؤال: لماذا خلقت؟ فهذا سؤال لا ينتهي، والشيطان الرجيم سينقلك من مرحلة إلى مرحلة أخرى، وستبقى في حيرة دائمة، وعليك أن توقن أن الله إنما خلقك لتعبده، كما قال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
2. الانتقال إلى سؤال أنضج، وهو: كيف أقترب من الله أكثر؟ وما الأعمال التي تكسبني محبته؟ وما السبيل إلى النجاة من عقوبته؟
3. القراءة في كتب العقيدة التي تعتني بذكر الآثار المسلكية لأسماء الله تعالى وصفاته؛ فذلك يضفي على القارئ المعرفة القلبية العلمية، وتظهر آثار تلك المعرفة في أعمال الجوارح، فتثمر تصورا صحيحا، وتدفع الشكوك والشبهات. ومن تلك الكتب كتاب شرح العقيدة الواسطية للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، والابتعاد تماما عن البحث والقراءة في مسائل القدر والجبر.
4. الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وخاصة في أوقات الإجابة، وسؤال الله تعالى بقلب حاضر غير ساه ولا لاه، بقولك: "اللهم! إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك"، مع الإكثار من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كلما وردت عليك تلك الخواطر، وعدم الإصغاء لها أو التحاور معها.
والخلاصة -أيها الأخ الحبيب- فيما يأتي:
• ما تمر به ليس كفرا.
• ولا يدل على فساد عقيدة.
• بل يدل على عقل متعب وقلب مجهد.
• فضل الله ليس صفقة اختيار، بل عطية وجود وفتح باب نجاة.
• العدم ليس خيرا، بل لا شيء.
• الإنسان ليس مكرما بالألم، بل مكرما بإمكان الخلود في القرب من الله.
أسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك طمأنينة العارفين لا حيرة المتفلسفين، وأن ينقلك من ثقل السؤال إلى سكينة التسليم، ومن جفاف الفهم إلى حياة القلب، آمين، آمين، آمين.