السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أم لولدين، أحبهما وأخاف عليهما جدا، ودائما ما أرى في منامي أحلاما مزعجة، كأن مكروها قد يحدث لهما، فتارة يكون ذلك بالابن الأكبر، وتارة بالابن الأصغر، أو تأتي هذه الصور على هيئة وساوس.
سؤالي هو: هل يعرف الشيطان نقطة ضعف الإنسان فيستغلها، سواء بالوساوس أو بالأحلام؟ لأن تلك الأحلام تخيفني على أولادي كثيرا، وتصيبني بالقلق والتوتر.
أرجو إفادتي، جزاكم الله خيرا، وبارك فيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يبارك فيك، ويجعل أبناءك قرة عين لك، ويحفظهم بحفظه، ويجعل قلبك مطمئنا عليهم، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى:
ما تعانين منه شائع بين الأمهات المحبات، ولا يدل ذلك على ضعف في إيمانك، بل يدل على قلب ممتلئ بالحب والحنان والحرص والخوف على فلذات كبدك، غير أن الأمر بحاجة إلى طمأنة وضبط حتى لا يتحول هذا الحب إلى قلق مرهق، وسوف أجيبك جوابا شرعيا، ونفسيا، وأسريا، بإذن الله.
أولا: هل الشيطان يعرف نقطة ضعف الإنسان ويستغلها؟
أقول: نعم، هذا ثابت شرعا؛ كما قال الله تعالى: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: "الشيطان يسلك بالعبد ما يراه أليق به وأشد إفسادا لقلبه".
الشيطان لا يعلم الغيب، ولكنه يلاحظ ما تحبين، وما تخافين عليه، فيدخل عليك من باب الخوف على الأولاد؛ لأنه أعظم نقاط ضعف الأم. وهذا الدخول يكون غالبا عبر منافذ مختلفة، مثل: الوساوس، أو الأحلام المزعجة، أو الخواطر المتكررة، وهدفه ليس الإخبار، بل إحزان القلب وإقلاقه، كما قال تعالى في مسألة التناجي: ﴿إنما النجوىٰ من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾.
ثانيا: هل هذه الأحلام نذير سوء أو إشارة لوقوع مكروه؟
الإجابة: لا؛ فالأحلام في الشرع ثلاثة أنواع، كما أخبر النبي ﷺ: الرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه [رواه مسلم].
1. رؤيا صالحة من الله (تطمئن وتبشر).
2. حلم من الشيطان ليحزن الإنسان.
3. حديث نفس مما يشغل الفكر.
أحلامك ناتجة عن خوفك الشديد على أولادك، وتكرار التفكير في سلامتهم، فهي إما حديث نفس أو حلم من الشيطان، وليست منبئة ولا علامة على قدر قادم، قال ﷺ: الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان [رواه البخاري ومسلم].
ثالثا: لماذا تكثر هذه الأحلام عند الأمهات؟
يفسر ذلك من الناحية النفسية لأسباب، منها:
• لأن الأم مرتبطة بأبنائها ارتباطا عاطفيا قويا.
• لأن العقل يترجم هذا الخوف إلى صور في النوم.
• لأنه كلما زاد القلق زادت الأحلام.
وهذا لا يعني أنك تحسين بشيء، بل لأنك مرهقة نفسيا من كثرة الخوف على أبنائك.
رابعا: هل تأثمين على هذه الوساوس والأحلام؟
الجواب: لا إثم عليك إطلاقا؛ فالوساوس القهرية لا يحاسب عليها الإنسان، والأحلام لا يؤاخذ بها أحد، قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به [رواه مسلم].
خامسا: الموقف الشرعي الصحيح عند رؤية حلم مزعج:
علمنا النبي ﷺ ماذا نفعل إن رأينا حلما مزعجا مخيفا، قال: وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثا، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره [رواه البخاري]، وفي رواية: فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، فأخبرنا ﷺ أن نفعل الأمور الآتية:
1. التعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
2. النفث عن اليسار ثلاثا.
3. عدم قص الحلم على أحد.
4. تغيير جهة النوم.
5. القيام والصلاة إن أمكن.
فإن قمنا بتلك الخطوات، فإنه لا يقع شيء بإذن الله، ولا ينبغي للمؤمن بعد هذه التطمينات النبوية أن يخاف.
سادسا: كيف تحمين نفسك وأولادك عمليا؟
لكي تحمي نفسك وأبناءك مما تخافين منه، عليك القيام بما يأتي:
1. التحصين لا القلق؛ فالقلق لا يحمي، أما التحصين فيحمي بإذن الله، ويكون التحصين بقراءة أذكار الصباح والمساء كاملة في أوقاتها المحددة، والمداومة على ذلك. وبالنسبة للأطفال، تقومين أنت بتعويذهم؛ فتجمعينهم، وتمسكين برؤوسهم، ثم تقرئين سورة الإخلاص، والمعوذتين، وآية الكرسي، ثم تنفثين في كفيك، وتمسحين على أجسادهم.
2. تضعين يديك على رؤوسهم، وتقولين: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة [رواه الترمذي]، فقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين بها.
3. تقليل التفكير القهري؛ فعندما تأتي هذه الفكرة الشيطانية، فلا تصغي إليها، ولا تحاوريها، وانهضي من المكان الذي أتتك وأنت فيه، ثم استعيني بالله من الشيطان الرجيم، ومارسي أي عمل يلهيك عن الفكرة.
4. أكثري من الدعاء لأبنائك بين يدي الله تعالى، وسليه أن يحفظهم ويصلحهم، ولا تقولي: "يا رب لا يصيبهم مكروه"، بل ليكن دعاؤك بثقة بأن الله سيستجيب لك، وسيحمي أبناءك، ولا تجعلي الخوف يتسلل إلى قلبك؛ ففي الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرا فله، وإن ظن شرا فله [رواه أحمد وابن حبان].
سابعا: نصيحة تربوية مهمة:
• اجعلي حبك لأبنائك سليما معتدلا، ولا تبالغي في ذلك؛ فالحب المعتدل يحمي، ويربي، ويطمئن.
• ابتعدي عن الحب القلق الذي فيه مغالاة؛ فذلك سيرهقك، ويجعلك متوترة بشدة، وهذا التوتر قد ينتقل إلى الأبناء دون قصد منك، فيفقدهم طمأنينة الحياة، وأنت لا تريدين ذلك.
أخيرا، عليك أن توقني أن كل شيء بقضاء وقدر؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالنبي ﷺ يقول: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا [رواه أحمد وابن ماجه والترمذي أبو داود].
أسأل الله أن يحفظ أبناءك، وأن يقر عينك بهم، وأن يرزقك قلبا مطمئنا، ذاكرا شاكرا.