ضغوطات الحياة جعلتني أرغب في الدعاء على نفسي بالموت!!

0 2

السؤال

هل يجوز للشخص أن يتمنى الموت إذا ضاقت عليه الدنيا؟

أنا في السنتين الأخيرتين ضاقت علي الدنيا؛ فوالدي دخل السجن، وأنا أدرس في الجامعة، واضطررت للعمل لأصرف على أهلي، لكنني لم أستطع أن أوفق بين العمل والدراسة، وبدأت درجاتي في الهبوط.

أشعر بضغوطات كبيرة، وأحيانا أرغب أن أدعو على نفسي بالموت، لكنني أخاف: من سيهتم بأهلي إذا مت؟

فكرت أن أوقف الدراسة لأركز على العمل، لكن أمي -حفظها الله- رفضت رفضا تاما، وقالت: إذا أوقفت الدراسة لن أسامحك طول عمري.

أحيانا أحس أن الموت سيخلصني من الضغوطات التي علي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يزن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يحفظك وأن يبارك فيك.

فمشاعرك متفهمة، وضيقك حقيقي، وأنت لست ضعيفا، ولا جاحدا ولا قليل الإيمان، بل إنسان وضع فجأة في ابتلاء، وتحت حمل كبير لم يختره، فاختنق؛ لذا دعنا نجيبك بهدوء، ودون تخويف ولا تهوين، ومع اهتمام خاص؛ لأن في كلامك إشارة خطرة لا يجوز أن تمر بلا تنبيه صريح.

أولا: هل يجوز أن يتمنى الإنسان الموت إذا ضاقت عليه الدنيا؟
من حيث الحكم الشرعي المجرد: فلا يجوز، فقد نهى النبي ﷺ عن تمني الموت لأجل ضر نزل بالدنيا، فقال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)

لكن انتبه جيدا: هذا النهي ليس إدانة للمشاعر، بل توجيه رحيم؛ لأن تمني الموت في هذه الحال لا يأتي من كفر أو سوء نية، بل من عجز نفسي وضغط شديد، ولذلك لم يقل النبي إن من تمنى الموت آثم، بل وجهه إلى دعاء يسلم فيه الأمر لله بدل أن يحمل نفسه قرارا لا يقدر عليه؛ وهذا يعني أن ما تشعر به من شدة وضيق ليس حراما كمشاعر، لكن الاستسلام له هو الخطر.

ثانيا: ما تقوله الآن ليس رغبة حقيقية في الموت، بل رغبة في أن يتوقف الألم. عندما تقول: أحيانا أحس إن الموت سيخلصني من الضغوطات هذا في لغة النفس لا يعني أنك تريد أن تموت، بل يعني أنك وصلت إلى مرحلة إرهاق شديد، لم تعد ترى معها مخرجا واضحا، فتخيل عقلك الموت كزر لإيقاف لمعاناتك.

والدليل على أنك لا تريد الموت فعليا أنك قلت: (أخاف من سيهتم بأهلي إذا مت)، وهذا كلام شخص مسؤول، حي القلب، مربوط بأهله، لا شخص يريد الهروب وتركهم.

ثالثا: أبوك في السجن، وأنت طالب جامعة، واضطررت للعمل للإنفاق على أهلك، ولم تنجح في التوفيق بين العمل والدراسة، وبدأت درجاتك بالهبوط، وأمك تضغط عليك ألا تترك الدراسة، وأنت تشعر أنك محاصر من كل الجهات.

هذه مشكلتك، وهي لا تدل على ضعفك، بل تدل على أنك وحيد في المعركة، ولم تعتد عليها، ولم تعرف مآلاتها.

رابعا: بخصوص الدراسة والعمل وضغط أمك: أمك – حفظها الله – تريد مصلحتك، لكنها ترى الصورة من زاوية واحدة، وأنت ترى الصورة من زاوية أخرى، وكلاكما متألم، لكن اسمع هذه القاعدة المهمة:

الدراسة يمكن تأجيلها أو تخفيفها، أما صحتك النفسية إذا انهارت فسيصعب ترميمها.
ليس الحل الآن أن تتخذ قرارا جذريا تحت الضغط، ولا أن تعاند أمك، بل أن تبحث عن حل وسط واقعي، مثل:
- تخفيف عدد المواد إن أمكن.
- تأجيل فصل دراسي رسميا إن كان نظام الجامعة يسمح.
- البحث عن منحة، أو دعم اجتماعي، أو جمعية خيرية تساعد أهلك مؤقتا.
- إشراك شخص بالغ عاقل من العائلة أو الجامعة يتحدث مع أمك بدل أن تتحمل أنت المواجهة وحدك.
- تخفيض عدد ساعات العمل.
- استخدام الوسائل الحديثة في المذاكرة كسماع المواد عبر الإنترنت، أو تسجيل المادة على هاتفك والاستماع وأنت تعمل.

كل هذه بدائل يجب أن تضعها في حسابك، وهي كفيلة أن تخفف الضغط عليك.

خامسا: لا تنظر إلى ابتلائك على أنه الأعظم، فموازين البلاء أوسع مما ترى:
من طبيعة الإنسان أخي حين يشتد عليه الكرب أن يظن أن ما يعيشه هو أقصى ما يحتمل، وأنه بلغ حدا لا يطاق، وهذا الإحساس مفهوم إنسانيا، لكنه غير دقيق إيمانيا؛ لأنك لو أذن لك أن ترى أحوال الناس لرأيت من هو في مثل سنك أو أصغر منك يعيش ابتلاء أشد وأطول وأقسى:
- شاب يغسل كليته كل ثلاثة أيام، ويقضي بقية الأسبوع في إرهاق جسدي ونفسي دائم.
- وآخر يرى والديه يتألمان بمرض مزمن، ولا يملك ثمن الدواء.
- وثالث حرم التعليم والعمل معا، ويعول أسرة كاملة بلا مورد.
- ورابع فقد أحد والديه أو كليهما.
- وخامس يعيش في خوف دائم، أو تهديد أو فقر مدقع.

كل هؤلاء ينهضون كل صباح ويكملون، لا لأنهم أقوى منك، بل لأنهم بذلوا جهدهم ووضعوا منهاجا لهم، واستعانوا بالله، ورضوا بالقضاء.

ولا يقال هذا الكلام لتصغير ألمك أو توبيخك، بل لتوسيع أفق النظر؛ حتى لا يحاصرك عقلك في فكرة أن حياتك توقفت، أو أن ضيقك لا يحتمل، فالبلاء درجات، والله أعلم بعباده، وقد قال سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ فما دمت قائما تتحرك وتسعى وتخاف على أهلك، فاعلم أن فيك طاقة لم تنفد بعد، وأن الله لم يضعك في هذا الموضع عبثا.

- ثم إن الابتلاء في ميزان الإيمان ليس خسارة خالصة، بل باب أجر عظيم متى صاحبه الصبر واللجوء إلى الله، وقد قال النبي ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير...إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له فالأجر ليس في الألم ذاته، بل في كيف تواجهه، وهل تحتمي بالله أم تستسلم للفكرة القاتلة بأن لا مخرج؟

- واعلم أن الله لا يترك عبده في البلاء بلا عون، لكنه ينزل العون على قدر الالتجاء، فمتى ما احتميت بالله، لا بالكلمات فقط بل بالصدق والافتقار، وجدت من التثبيت والسكينة ما يعينك على الاستمرار، ولو مع الألم؛ لأن الصبر ليس غياب الوجع، بل القدرة على حمله دون أن يكسرك.

ولهذا، بدل أن تقول في نفسك: أنا لم أعد أحتمل، حاول أن تقول: يا رب أعني على ما ابتليتني به، فأنت وعدت بالعون، ووعدك حق، وستجد أن الحمل وإن لم يزل، يخف ويحمل.

وختاما: الدعاء والاستعانة بالله هو البديل الشرعي عندما يضيق الصدر: بدل أن تدعو على نفسك بالموت، قل كما علمنا النبي ﷺ:اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، هذا الدعاء يفرغ الألم دون أن يكسرك، ويضع الحمل عند الله لا على صدرك.

كما نوصيك بالصحبة الصالحة، والاستشارة الصادقة فالمرء بإخوانه، نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات